فهرس الكتاب
إن الشخصيات الروائية من"سناء"حتى"رجب"يمكن أن نجد لها شخوصًا ممسوخة لأفكار تمت إليها بصلة قريبة أو بعيدة، أو شخوصًا تتكلم بأفكار حقيقية لأعمال اللامعقول، ولكن هل هذا يعنينا في شيء؟ إن كاتبًا مثل"بيكيت"نكاد نجد أكثر شخوصه موجودة قلبًا وقالبًا في مسرحية أخرى له، أو لغيره وكذلك الأمر بالنسبة إلى"يوجين ايونسكو"فإن الملك"بيرنجه الأول"الذي يعيش تجربة موته وينتظره عارفًا به في المسرحية المسماة"الملك المحتضر"هو بطل"ايونسكو"المشهور الذي نراه في كثير من مسرحياته في"الكركدن"مثلًا وفي"سيارة الهواء"و"القاتل المجاني"، إذن لا يعنينا ذلك من وجهة النظر هذه، لأن فكرة العدمية هي الأساس والمحور الذي يدور حوله أي عمل فني لا معقول، وما يمكن قوله بالنسبة إلى (الثرثرة) فيما يتعلق بهذا التشابه، بين عمل فني معين وعمل فني آخر،هو أن أفكارًا عدمية، ألبسها نجيب محفوظ - مختصرة- لباس الشخوص الملتفة حول الجوزة، والجمر فـ:"هذه الشخصيات ليست حقًا شخصيات عبثية تتخذ من العبث فلسفة في الحياة، بقدر ما هي شخصيات أقرب إلى المجون والأغلال أو الغموض والاستهتار، لا يختلف تضييعهم الوقت في إحدى العوامات عن تضييع غيرهم الوقت في أحد النوادي أو المقاهي أو الحفلات" (12) وصب عمله الروائي - مبدعًا- على أنيس، الذي بدا لنا شخصية مقنعة ورائعة، تعيش في إشراقات دائمة يبثها الوجود حقيقة في أعماقه، فيفجر أحاسيسه وتأملاته وذكرياته. ومن هنا، فإني أعتقد أن الرواية لم تفقد أهميتها الفنية - على الأقل- لأن شخصية أنيس العصابية وحدها تستقطب اهتمامنا فعلًا، وناجحة، منذ أول حرف سطره نجيب محفوظ لأبعادها، وقد استطاع أن يدرس أزماتها خلال البنية الدرامية في الكيان النصي للرواية دراسةً دقيقة، موحية، عميقة، تنبض بالألم.. والمأساة.