فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 178

أقول - عصابيًا- لأنه يمكن أن يصيب المرء الموت - كما يصيب كل من يعيش على هذه الأرض- من أجل ما يصبو إليه دون أن يمنعه ذلك من تجربة الحياة والسعي فيها نحو الغلبة وتأكيد الذات، أو أن يتزوج إنسان، ثم تموت عنه زوجته، فلا ينهار كما انهار أنيس بل يصبر على الدهر والقدر، ويحيا"بالمعنى"الذي تمليه علينا الحياة، إنه - أي أنيس- الشخصية الوحيدة المتخلفة فنيًا، إذ استثنينا عم عبده الذي يشبه إلى حد كبير شخصية"وات"كما أسلفت، على الرغم من أن الرواية أخذت اسمًا جامعًا:"ثرثرة فوق النيل"وهذا يعني أننا أمام أشخاص وليس أمام شخص واحد يكاد لا يتكلم، ولكن الرواية له، ومنه. إن عصابية أنيس الحادة تتجلى من خلال رؤاه وصمته وحتى في إفاقته. و"النظرة الخاصة"التي منحها له رفاقه حين سموه بـ"ولي الأمر والنعم"تدل دلالة واضحة على موقفهم منه، وكذلك فإن أية كلمة كانت تخرج من فمه، كفيلة بأن تجعل المكان يضج بالضحك، حتى في"الجنس"حين يسأل"ليلى زيدان"قائلًا:"لم لا تتخذين مني رفيقًا"فأجابت:"إنك إذا استعملت الحب يومًا كمبتدأ في جملة مفيدة فستنسى حتمًا الخبر إلى الأبد"، ومن هنا أدركت ليلى حقيقته، وحين تقول"سنية كامل"محاولة إيجاد رجل لسناء بعد أن هجرها رجب:"وإذا وقع المحذور فعندك مصطفى وأحمد"صاح أنيس بوحشية:"لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟"ثم بغلظة وهو يضغط على مخارج الكلمات"أوغاد منحلون مدمنون".. كل الشتائم تكون نتيجتها أن أغرقوا بالضحك. إن أنيسًا كانت تشغله مشكلة الموت شغلًا حادًا. وهذه الظواهر التي تدلنا على تفتحه للحياة كما رأينا سابقًا في تعبيره"لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟"لم تكن إلا"صرعات"تتبدى بين حين وآخر، على أثر منبه ما يحس به، لينتشله من"المذهلات"التي تسلب لبه وحسه وصوته أيضًا، سابحًا في ذرات العدم والموت التي تكمن في الأشياء والناس والليل والضوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت