فهرس الكتاب
والأب المغدور أيضًا رمز الشهداء - حسب الرواية- الذين أكلتهم الثورة على غير وجه حق، والذين مع رفاقهم ضاعت عظامهم في الغابات دون أن يتحقق ماكانوا يحلمون به وقاتلوا قتالًا معجزًا من أجله.
من أجل ذلك، يصر الحسين على نبش سيرة والده مع السير المشابهة القديمة، وتزيد المعاناة عمقًا، حين يرد تصوير لـ - شارع- أطلق عليه اسم المهدي بن محمد تكريمًا مصطنعًا له، وإبعادًا للشبهة، حيث يغدو صورة مركزة لأوضاع الحياة ومثالبها: شارع تتوالد فيه العصافير المنكسرة واللون الداكن ويتكاثر فيه تجار كل شيء...، باعة ومشترون... إنه دلالة على كل ما يفقد المدينة عرضها، ويذكر بانهيار آمال شهداء الثورة في مدينتهم- المرتقبة. وتستخدم الرواية شخصية:"حمو"ليأخذ دورًا أشبه بترديدات الجوقة والتعليق المتكرر على مجريات ومواقف وأحداث يعززها السياق الروائي فتعمل على اللازمة المفجعة التي تشحن المتلقي بمزيد من القلق والألم والتفكير في ما ورائية الأمور وبالتالي تكسب عطفه. إن"حمو"الذي يصرخ بلا زمته: في الشوارع والأزقة الضيقة قائلًا:"خسارة الدم اللي ضاع. خسارة الدم اللي ضاع"، وعي سابق على كشف الرواية المستمر، يعكس الهموم لحظة تأمل علىحافة الغيبوبة، تدفع بإيقاعها الجنائزي إلى الصحو، ويدخل لحن اللازمة في إحساس بالوحدة والبكاء والحنين إلى شيء مخلص يلح على خاطر حسين الصحفي... إحساس كأنه تفاصيل الوضع الذي يسبق الجنون... انتابته أحلام اليقظة، أحيانًا كان يرى أباه المهدي مازال حيًا، تخرج صورته المعلقة من الإطارـ، يجلس إليه في لهفة، يخاطبه، يحكي له هواجسه، ويسأله مكملات الملف الذي أصر على فتحه حول مقتله.