فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 178

على الرغم من أن الرواية تنطلق من دافع ذاتي يبحث عن توضيح شخصي، إلا أن هذا المنطلق ماهو إلا شرارة لكشف جماعي، إنساني. تريد أن تحفر في بنية الواقع في العمق، وتقلب الأوراق، وتمنع حيفًا وقع، أو يقع هنا أو هناك، أو قد يقع. وأن تنتصر لكل القوى المجاهدة من أجل الحق وجمال الحياة. وترغب الرواية أن تنسب التمجيد إلى من يستحقه من فئات الثورة دون حجب أو مصادرة لآخر، وأن تقبض على اليد التي اغتالت الشهادة وزيفت بيانات الواقع، واستمرت تمتد في أشكال عديدة من التشويه والتعويض وزرع الحزن والبؤس والفقر في شجرة السنين التي انتظرت فرجًا كبيرًا ثمنًا للدم الذي قدمه الناس... فقراء دَرَسْنا فقراء عشقنا فقراء كبرنا... حاولت الرواية أن تكون شيئًا من أصوات المسحوقين والفقراء والمطاردين والمتبعين هؤلاء الذين كسبوا النصر ضد المحتل، والذين ضاع بعضهم في القرى المهملة أو في شوارع المدينة المعطلة عن الحياة الكريمة، والتي ينتهك عرضها كل يوم بصور عديدة غير إنسانية دون أن يستطيع النسق الجدير بهذه الحياة أن يفعل شيئًا ضد أنساق مخفية تطغى على كل شيء، وتكشف كل صوت.

لذلك فهي دعوة إلى حرية الرأي، وحفظ أمانة القيم التي ضحى من أجلها السلف، وتدين كل القوى الهامشية المستفيدة الرغيدة المحكومة بأطماعها وأطماع - الخارج- الأكثر منها رعبًا لأنه يمتلك أدواته وقوته الغاشية، وتبرز في هذا السياق مقولة مفادها: لو استمرت"المدينة"العربية في معاني الاستلاب الحضاري، والإنساني، والاجتماعي، والطبقي، فإن الواقعة قائمة لا محالة. وقد حافظت الرواية على هذا التوازن بين قتامة الأفكار ودلالات الأسى ورؤية مفعمة بحب الحياة واستنكار الظلم وإمكانية التغيير، مشدودة بقوة الشهادة التي لا يبخل بها المرء، حين يجد كل شيء باطلًا ينبني على باطل. إن ضياع صوت الحقيقة، يعني غيابها وعدم كشفها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت