فهرس الكتاب
وفي ذلك الجانب من مركز الحكومة، الذي يعزل أبعادًا من البيروقراطية وغيرها، تطرح تجربة دحام المرة وهو يجهد من أجل عمل في أية شركة، فبعد معطيات الإحباط والخيبة التي ظلت تنهره على المستوى الشخصي (لا أرض، لازوجة، لا استقرار، لامال، لاأمل لديه...) وعلى المستوى البيئي حيث يشقيه ماوصل إليه الفلاحون من قهر بتأثير قوى مراكز تمتص عقولهم وأحوالهم حتى الموت دون أن يعانوا من استلابهم إلا ضمن شبكة تآمر هذه القوى التي أحكمت إطباقها على تشكيلاتهم المثقلة بالأدران، فبعد المعطيات هاته، يحاول دحّام أن يتملص من نفسه وواقعه إلى عمل في المدينة، لكن صبره نفد وصاحبه يقول له:"لاتضجر!، لابد من الروتين و.. ص126"وأحس أنّه متسول لا طالب عمل، وأنه عاجز عن فهم"إجراءات!"هذا المركز؛ تعيين عامل يحتاج إلى كل هذا العذاب وعندئذ يطلق صرخة ضد كل قوى الانحطاط وما تنتجه في عالمه، كبيان مختصر حي:"الحياة من كل وجوهها شقاء ص126". حياته قاتمة لأنه لايريد أن يرتهن، أن يسكن ويثرثر فقط، أن يكون لعبة في دائرة الانحطاط الملعونة، ألا يقر بعياء روحي وطموحي نهائي غير متجاوز، لو أراد كل ذلك لوجد"العمل"،"قال السيد سميح الندّار إذا كان دحام العسكر يريد أن يعمل في الجبسة أو الرميلان بجدّ أنا أجعله يلتحق بالعمل منذ الغد، وإذا كان يريد البقاء في الصخرة فأنا مهّيء له عملًا لايفرح به أحد من كل الدليم، مارأيك أبا عسكر ص172؟ بهذا الكلام يستوقفه محمد الجاسم، يحتج ويتابع طريقه، فخيوط المزارع وحباله المتصلة بمركز الحكومة في شبكة الانحطاط أطول مما يحسب في العادة."