وَلا رَيبَ أَنَّ مُجَرَّدَ القِيَامِ بِأَعْمَالِ الجَوَارِحِ، مِنْ غَيرِ حُضُورٍ وَلا مُرَاقَبَةٍ، وَلا إِقْبَالٍ عَلَى اللّاهِ: قَلِيلُ المَنْفَعَةِ، دُنْيًا وَأُخْرَى، كَثِيرُ المُؤنَةِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَثُرَ - مُتْعِبٌ غَيرُ مُفِيدٍ (1) .
وَلِهَذَا قَالَ اللّاهُ تَعَالَى: ?الَّذِي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا? [الملك:2] . وَقَالَ: ?إنا جعلنا ما عَلَى الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا? [الكهف:7] . وَقَالَ تَعَالَى: ?وهو الَّذِي خلق السموات والأرض فِي ستة أيام وكان عرشه عَلَى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ? [هود: 7] .
فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَالمَوْتَ وَالحَيَاةَ، وَزَيَّنَ الأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا لِيَبْلُوَ عِبَادَهُ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا، لَا أَكْثَرُ عَمَلًا.
وَلِهَذِهِ المَعَانِي الجَلِيلَةِ، لَمْ تُغْنِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الأَعْمَالِ بِالظَّاهِرِ، وَقَالُوا: الشَّأْنُ فِي الصَّفْوَةِ لَا فِي الكَثْرَةِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَغْفَلُوا مَا فِي القُلُوبِ، فَغَرَّهُمُ العَدَدُ وَالكَثْرةُ، وَمَا يَنْفَعُ رَفْعُ السُّقُوفِ وَلَمْ تُحْكَمْ مَبَانِيهَا؟!
الأَصْلُ السَّادِسُ: عُبُودِيَّةُ القَلْبِ أَعْظَمُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الجَوَارِحِ
القَلْبُ أَشْرَفُ مِنَ الجَوَارِحِ، فَكَانَ عَمَلُهُ أَشْرَفَ مِنْ عَمَلِ الجَوَارِحِ (2) .
(1) تهذيب مدارج السالكين (ص241) .
(2) مفتاح دار السعادة (1/540) .