وَمَنْ تَأَمَّلَ الشَّرِيعَةَ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا، عَلِمَ ارتِبَاطَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ بِأَعْمَالِ القُلُوبِ، وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ بِدُونِهَا، وَأَنَّ أَعْمَالَ القُلُوبِ أَفْرَضُ عَلَى العَبْدِ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ، وَهَلْ يُمَيَّزُ المُؤْمِنُ عَنِ المُنَافِقِ (1) إِلَّا بِمَا فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي مَيَّزَتْ بَيْنَهُمَا، وَهَلْ يُمْكِنُ أَحَدٌ الدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ إِلَّا بِعَمَلِ قَلْبِهِ قَبْلَ جَوَارِحِهِ، وَعُبُودِيَّةُ القَلْبِ أَعْظَمُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الجَوَارِحِ وَأَكْبَرُ وَأَدْوَمُ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، «مِثْلَ مَحَبَّةِ اللّاهِ وَرَسُولِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللّاهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالصَّبْرِ عَلَى حُكْمِهِ وَالخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ لَهُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ» (2) . وَلِهَذَا كَانَ الإِيمَانُ وَاجِبَ القَلْبِ عَلَى الدَّوَامِ، وَالإِسْلَامُ وَاجِبَ الجَوَارِحِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَمُرَكَّبُ الإِيمَانِ القَلْبُ، وَمُرَكَّبُ الإِسْلَامِ الجَوَارِحُ (3) .
(1) …قال شيخ الإسلام رحمه الله فِي «الفتاوى» (10/759) : المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة، وإنما عقابهم وكونهم فِي الدرك الأسفل من النار عَلَى ما فِي قلوبهم من الأمراض.
(2) مجموع الفتاوى (10/5) .
(3) بدائع الفوائد (3/1148) .