وَمَرَضُ القَلْبِ خَفِيٌّ، قَدْ لَا يَعْرِفُهُ صَاحِبُهُ - كَالرِّيَاءِ وَالعُجْبِ وَالكِبْرِ وَالشُّهْرَةِ - فَلِذَلِكَ يَغْفُلُ عَنْهُ، وَإِنْ عَرَفَهُ صَعُبَ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ دَوَائِهِ، لِأَنَّ دَوَاءَهُ مُخَالَفَةُ الهَوَى، وَإِنْ وَجَدَ الصَّبْرَ لَمْ يَجِدْ طَبِيبًا حَاذِقًا يُعَالِجُهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ هُمْ أَطِبَّاءُ القُلُوبِ، العَالِمُونَ بِأحْوَالِهَا، وَأَعْمَالِهَا، العَارِفُونَ بِأَدْوِيَتِهَا وَأَدْوَائِهَا، دَونَ المُنْحَرِفِينَ عَنْ طَرِيقَتِهِم، المُتَشَبِّعُونَ بِمَا لَمْ يُعْطَوْا، لَابِسُو ثِيَابِ الزُّورِ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِم، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. حَتَّى عَادَوْا أَهْلَ الحَدِيثِ، وَرَمَوْهُم بِالعَظَائِمِ، وَنَفَّرُوا النَّاسَ عَنْهُمْ، فَدَاوَوْا أَمْرَاضَ القُلُوبِ بِالآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ وَالخَيَالَاتِ، وَ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَوضُوعَةِ «فَكَانُوا كَالمُدَاوِي مِنَ السَّقَمِ بِالسُّمِّ القَاتِلِ.
فَاتَّفَقَ قِلَّةُ الأَطبَّاءِ، وَكَثْرَةُ المَرْضَى، وَحُدُوثُ أَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ، فَاشْتَدَّ البَلَاءُ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ، وَامْتَلَأَتِ الدُّورُ وَالطُّرُقَاتُ وَالأَسْوَاقُ مِنَ المَرْضَى، وَقَامَ كُلُّ جَهُولٍ يُطَبِّبُ النَّاسَ» (1) .يَنْطَبقُ عَلِيهِ قَولُ القَائِلِ:
وَغَيرُ تَقِيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ سَقِيمُ (2)
(1) موارد الأمان (ص320) .
(2) لطائف المعارف (ص53) .