فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 68

وَكُلَّمَا صَحَّ القَلْبُ مِنْ مَرَضِهِ؛ تَرَحَّلَ إِلَى الآخِرَةِ، وَقَرُبَ مِنْهَا، حَتَّى يَصِيرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَكُلَّمَا مَرِضَ القَلْبُ وَاعْتَلَّ، آثَرَ الدُّنْيَا وَاسْتَوْطَنَهَا، حَتَّى يَصِيرَ مِنْ أَهْلِهَا.

وَالنَّاسُ فِي هَذَا الزَّمَانِ سَافَرُوا فِي طَلَبِ الدُّنيَا وَهِيَ عَنْهُم زَائِلَةٌ، وَقَعَدُوا عَنِ السَّفَرِ إِلَى الآخِرَةِ وَهُمْ إِلَيْهَا رَاحِلُونَ. «يَسْعَونَ لِمَا يُدْرِكُونَ، وَيَتْرُكُونَ مَا هُمْ بِهِ مُطَالَبُونَ، وَيَعْمُرُونَ مَا هُمْ عَنْهُ مُنْتَقِلُونَ، وَيُخَرِّبُونَ مَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ، وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ» (1) .

العَلَامَةُ الثالثةُ: أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَضْرِبُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يُنِيبَ إِلَى اللّاهِ، وَيُخْبِتَ إِلَيْهِ، وَيَتَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقَ المُحِبِّ المُضْطَرِّ إِلَى مَحْبُوبِهِ، الَّذِي لَا حَيَاةَ لَهُ، وَلَا فَلَاحَ، وَلَا نَعِيمَ، وَلَا سُرُورَ؛ إِلَّا بِرِضَاهُ وَقُرْبِهِ وَالأُنْسِ بِهِ، فَبِهِ يَطْمَئِنُّ، وَإِلَيْهِ يَسْكُنُ، وَإِلَيْهِ يَأْوِي، وَبِهِ يَفْرَحُ، وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ، وَبِهِ يَثِقُ، وَإِيَّاهُ يَرْجُو، وَلَهُ يَخَافُ.

«فَيَا لَهُ مِنْ قَلْبٍ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ، وَمِنْ قُرْبِهِ مَا أَحْظَاهُ» (2) . قَدْ نَالَ غِذَاءَهُ وَدَوَاءَهُ، وَشِفَاءَهُ وَحَيَاتَهُ، وَنُورَهُ وَقُوَّتَهُ، وَلَذَّتَهُ وَنَعِيمَهُ، مَا هُوَ أَجَلُّ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ، وَأَطْيَبُ الطَّيِّبَاتِ، وَأَعْظَمُ اللَّذَّاتِ، قَالَ اللّاهُ تَعَالَى: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) [النحل: 97] (3) .

(1) التبيان فِي أقسام القرآن (ص307) .

(2) طريق الهجرتين (ص379) .

(3) مفتاح دار السعادة (1/182) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت