فهرس الكتاب
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّاهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّاهِ صَلَّى اللّاهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ?وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ? [المؤمنون: 60] قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُم، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ» (1) .
فَيَا لَهَا مِنْ مَشَاهِدَ، مَا أَجَلَّهَا وَأَعْلَاهَا، وَمَا أَعْظَمَ حَظَّ مَنْ نَالَهَا وَتَبَوَّأَ عُلَاهَا.
وَبِالجُمْلَةِ؛ فَالقَلْبُ السَّلِيمُ: هَمُّهُ كُلُّهُ فِي اللّاهِ، وَحُبُّهُ كُلُّهُ لَهُ، وَقَصْدُهُ لَهُ، أَفْكَارُهُ تَحُومُ عَلَى مَرَاضِيهِ وَمَحَابِّهِ. فَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ للّاهِ، وَإِنْ نَطَقَ نَطَقَ للّاهِ وَبِاللّاهِ، وَإِنْ تَحَرَّكَ فَبِأَمْرِ اللّاهِ، وَإِنْ سَكَنَ فَسُكُونُهُ اسْتِعَانَةٌ عَلَى مَرْضَاةِ اللّاهِ.
لَا يَفْرَحُ بِمَوْجُودٍ، وَلَا يَأْسَى عَلَى مَفْقُودٍ. فَلَا يَسْتَغْنِي إِلَّا بِاللّاهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَّا إِلَى اللّاهِ، وَلَا يَفْرَحُ إِلَّا بِمُوَافَقَتِهِ لِمَرْضَاةِ اللّاهِ، وَلَا يَحْزَنُ إِلَّا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ اللّاهِ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا أَنْ يَفُوتَهُ رِضَا اللّاهِ، وَسَيْرُهُ دَائِمًا إِلَى اللّاهِ، تَعْتَرِضُهُ كَثْرَةُ جُيُوشِ الشَّهَوَاتِ، وَتُغِيرُ عَلَى قَلْبِهِ كُلَّ وَقَتٍ، فَهُوَ هَارِبٌ إِلَى رَبِّهِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الجُيُوشِ، يَتَحَمَّلُ مِنْهَا لأَجْلِ اللّاهِ مَا لَا تَتَحَمَّلُهُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ. وَحَالُهُ كَمَا قِيلَ:
(1) رواه الترمذي (3175) ، وصححه الألباني رحمه الله فِي"صحيح سنن الترمذي" (3/287) .