فهرس الكتاب
كيف صور بوشكين هذا (الفارس الصليبي) ، لقد انصاع في حربه هذه لدوافع (لا يصدقها العقل) ، وكان هذا الفارس (إنسانًا عجيبا) ، إن العجيب الآن والمدهش، وغير المنطقي، ليس الشرقي المسلم، وإنما هذا الفارس الأوروبي، الذي لم يكن هناك أي مبرر عقلي أو منطقي لقيامه بهذا الغزو، وهذه الحروب التي خاضها مدفوعًا برؤيا خرافية وهمية، وكان يعتقد أنه منتصر لا محالة، مدفوعًا بعقدة تفوقه ووهم انتصاره، لأن هؤلاء المسلمين الشرقيين سوف يرتعدون خوفًا تحت وطأة الغزو الأوروبي الصليبي في سهول فلسطين ولكن الواقع كان شيئًا آخر، فقد صدم هؤلاء الفرسان الصليبيون بمقاومة المدافعين من المسلمين عن المدينة المقدسة في هذه الحروب غير المبررة دينيًا والتي رأى بوشكين، أنها لم تلق استجابة من السماء.
وهكذا يصور بوشكين، انتصار الشرق على الغرب، وهذا مخالف تمامًا لكل ما ألفناه عن صورة الشرق والشرقي المسلم في الأدب الأوروبي الغربي، وفي التراث الاستشراقي الأوروبي وهنا يتمايز مرة أخرى الاستعراب الروسي. وهنا نرى كيف تأثر الأدباء الروس بالشرق ولم ينكروه أو يحاولوا ازدراءه وإذا عرفنا مكانة بوشكين لدى الشعب الروسي وتأثيره الفعال والمستمر على الأجيال المتتابعة، أدركنا بعمق كيف تكرست صورة الشرق المسلم في وعي الروس، ومن منطلق التماثل الإنساني وليس التمايز.
وفي قصيدة (مسلم فقير) : يقول بوشكين:
محمد، هذا هو اسمه، يرعى
بجد كل يوم النحل والقطيع
والكرم المنزلي
لم يعرف ماهو الكسل [1]
(1) قصائد شرقية ص81.