فهرس الكتاب
4-وهكذا تبدو أهمية ثقة الخطيب بنفسه، وعدم انزعاجه أو خوفه من أى معارض، وهو ما أكد أهل هذا الفن على ضرورته وأهميته لنجاح الخطيب، ومن نصائح الأقدمين في هذا المقام قولهم:"إنك لا تتعلم الخطابةَ حتى تتعلم القحة". . والمراد بالقحة عدم المبالاة بأي شيء يكون معارضًا له، ومرجع ذلك إلى الجرأة والثقة بالنفس [1] .
5-صحيح أن موقف الخطيب بين الجمهور - وبخاصة في أول عهده بالخطابة - شديد وصعب، وقد تعرضنا جميعًا لذلك في بداية ممارستنا لها، فالأيادي ترتعش، واللسان يتلعثم، والأرجل تضطرب، والأعين تزيغ، والكلمات تهرب من الذاكرة، ولكن الخطابة في هذا الشأن كأي أمر يعالجه الإنسان لأول مرة، ثم - بكثرة الممارسة والمران - يزول الخوف، وتأتى الثقة بالنفس.
6-ويعين الخطيب على الوصول إلى هذه الثقة مباشرته للخطابة بحب وإقبال، تقديرًا لقيمتها، واعترافًا بأهميتها، ويشفع الخطيب هذا الحب بإعداد نفسه جيدًا لخطبته، بحفظ أدلتها وتنسيق معلوماتها،
والتدرب على إلقائها، فإذا فعل ذلك وقف بين جمهوره واثقًا من نفسه، غير وجل أو هيَّاب من أحد، فإذا انتقده أحد لم يضعف أو يضطرب, بل يقابل ذلك بمزيد الإصرار على النجاح، وصدق من قال:"إذا عصفت الريح بخيمتك، فقل شاء المقدر أن أبني مكانها قصرًا".
7-وبهذه العزيمة التي لا تلين، وبالإعداد الجيد يومًا بعد يوم، تصبح - أيها الخطيب - رجلًا من رجالات الإسلام، الذين يدافعون عنه، ويجاهدون في سبيله، وهو الجهاد الذي أعز الله أهله، ورفع قدره، حين وصفه بالجهاد الكبير، فقال سبحانه: (فَلاَ تُطِع الْكَافِرينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كبِيرًا) [2] .
ثالثا: الاهتمام بأصول الناس، والمشاركة الوجدانية لهم:
1-يخطئ من يتصور أن مهمة الخطيب لا تعدو أن تكون عظة يلقيها في محفل، أو خطبة يتلوها في مناسبة، ثم ينتهي كل شيء .
(1) نفس المرجع السابق والصفحة
(2) سورة الفرقان الآية 52