فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 52

ومما يدل على عناية السابقين بهذا الأمر وما يترتب عليه من أثر إيجابي في نفوس المستمعين ما روى عن الأحنف بن قَيس قال:

"ما رأيت رجلًا تكلم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حق المقام) وغاص في استخراج المعنى بألطف مخرج، حتى كان يقف عند المقطع وقوفًا يحول بينه وبين تبيعته عن الألفاظ" [1] .

5-ونخلص من هذا إلى أهمية العناية بالصوت حين إلقاء الخطبة، ليجمع الخطيب بين إقناع القلوب والعقول بثراء معلوماته، وإطراب الآذان بجمال حديثه وعذب صوته.

وبإمكان الخطيب أن يعالج عيوب صوته بالطب إن كان السبب في ضعفه

طبيًا، أو بالتمرين والممارسة إن كان ضعفه ناشئًا عن سبب غير طبي"وقد ثبتت جدوى المران كدواء للعيوب الصوتية، والدليل على ذلك ما ذكِر من أن ديموستين كان ضعيف الصوت فلما أراد أن يكون خطيبًا راض نفسه، فأخذ يقوى رئتيه بالصياح وهو يصعد الجبال الوعرة أو على ساحل البحر، محاولًا إلى يكون صوتَه أعلى من صخب الأمواج، وقد كان له ما أراد بتلك المحاولات" [2] .

6-وإلى جانب المران يأتي دور الخطيب الذي ينبغي أن يهتم بموضوعه، ولتفاعل مع جوانبه وأدلته، فإذا بصوته يتلوَّن وفق المعاني وإلا - إذا فقد الخطيب هذا التفاعل- فقد صار قارئًا لا خطيبًا، وهو ما جعل العلماء لا يستحسنون خطيب الورقة، ولا من بجدِّثٌ الناس من محفوظاته ويرون أن الخطيب الجيد هو من يعد عناصر خطبته والأفكار التي يريد نقلها إلى الناس، ثم يعبّر عنها بطريقته، وهو ما يستلزم من الخطيب جهدًا في الإعداد وجهدا في التدريب للوصول إلى المستوى اللائق، والترقي فيه يوما بعد آخر [3] .

المبحث الخامس

المقومات الشكلية للخطيب

* ويشتمل على الآتي:

(1) الخطابة (ص108) محمد أبو زهرة

(2) نفس المراجع السابق (52)

(3) أنظر (الخطابة وإعداد الخطيب) ص41- د. عبد الجليل شلبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت