فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 52

أ- من الأمثلة الشهيرة في هذا المقام ما يذكرونه عن (ديموستنِ) أعظم الخطباء في التاريخ القديم، فقد ذكروا أنه كان في شبابه ضعيف الصوت، قصير النفس وكانت بلسانه لثغة تغرى الآخرين بالسخرية منه، وقد حاول أن بخطب وهو على تلك الحال فقوبل بالسخرية والاستهزاء من جموع الحاضرين، وكاد يتراجع عن الاستمرار في هذا ا لطريق لولا أن بعض أصحابه عطف عليه وشجعه، وأعاد إليه الثقة بنفسه، وأقنعه بأن لدبه مواهب الخطيب وإمكاناته، ولا ينقصه سوى التدريب على حسن الإلقاء وجودة النطق، وهو شيء يمكن أن يكتسب بالمران.

وبدأت محاولاته الجادة للوصول إلى غايته، ومما يذكر في هذا أنه كان ينقطع شهورًا طويلة - ونصف رأسه محلوق لئلا يحاول الخروج، وقد أعد لنفسه حجرة كان ينفرد فيها ليتمرن على الخطابة، وكان أمام المرآة ليتخير الإشارات المناسبة وقت الإلقاء، وكان يلقى خطبًا وفى فمه حصى ليحل عقدة لسانه، وربما وقف على شاطئ البحر ليمرن نفسه على التغلب بصوته على جلبة ا لناس، وكان أحيانًا يصعد الجبل جريًا وهو يقول أبياتًا من الشعر بصوت مرتفع، ليقوِّى رئتيه ويعالج قصر النَّفَس، وقد كان يحافظ كل المحافظة علي إعداد جميع خطبه قبل إلقائها.

وبعد سنوات من التدريب الشاق تكَلل جهاد بالنجاح، وصار أرقى خطيب، وأعظم مفوه في التاريخ القديم [1] .

ب- وروى أن عمر بن سعيد بن العاص الأموي كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقه، فلم يزل يعالجها ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه وأطلق عليه لقب (الأشدق) أي: الفصيح البليغ، وفيه يقول الشاعر:

تشدق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبالك أشدق [2]

(1) انظر الخطابة ص20 - محمد أبو زهرة - وانظر (أصول الخطابة العربية بين مراحل التاريخ وفن التطبيق) ص283- د. عبد الغفار عزيز - طبعة سنة 1992 - دار الحقيقة للإعلام الدولي

(2) فن الخطابة (ص19) على محفوظ - بتصريف يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت