فهرس الكتاب
أيها الناس أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم, فإن الله تبارك وتعالى وعد جنته من أطاعه, وأوعد ناره من عصاه, إنها نار لا يهدأ زفيرها, ولا يفك أسيرها , حرها شديد وقعرها بعيد وماؤها صديد وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
خطب رضي الله عنه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته وتقديم العمل, وترك الأمل, فإنه من فرط في عمله لم ينتفع بشيء من أمله, أين التعب بالليل والنهار, المقتحم للحجج والبحار ومفاوز, يسير من وراء الجبال وعالج الرمال [1]
يصل الغدو بالرواح, والمساء بالصباح في طلب محقرات الأرباح ، هجمت عليه منيته، فعظمت بنفسه رزيته، فصار ما جمع بورا، وما اكتسب غرورًا، ووافى القيامة محسورًا.
أيها اللاهي الغارٌّ بنفسه، كأني بك وقد أتاك رسول ربك، لا يقرعِ لك بابا, ولا يهاب لك حجابا ولا يقبل منك بديلا, ولا يأخذ منك كفيلا, ولا يرحم لك صغيرا, ولا يوقر فيك كبيرا حتى يؤديك إلى قعر مظلمة أرجاؤها موحشة, كفعله بالأمم الخالية والقرون الماضية ! أين من سعى واجتهد, وجمع وعدد, وبنى وشيد, وزخرف ونجد, وبالقليل لم يقنع, وبالكثير لم يمتع؟ أين من قاد الجنود, ونشر الجنود؟ أضحوا رفاتا! تحت الثرى أمواتا, وأنتم بكأسهم شاربون, ولسبيلهم سالكون ؟
عباد الله! فاتقوا الله وراقبوه، واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال! وتشقق السماء بالغمام، وتمطر الكتب عن الأيمان والشمائل، فأي رجل يومئذ تراك؟ أقائل هاؤم اقرءوا كتابيه! أم: يا ليتني لم أوت كتابيه! نسأل من وعدنا بإقامة الشرائع جنته أن يقينا سخطه إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [2] .
الفهرس
(1) عالج الرمال: ما تراكم منها ودخل بعضه في بعض
(2) تراجع هذه الخطب في كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربه الاندلسي - الجزء الرابع