الثاني: (لا) النافية العاملة عمل (ليس) ، فهي ترفع الاسم وتنصب الخبر ويكون اسمها نكرةً، ولايتقدمُ خبرُها على اسمها، كقولك: (لارجلٌ في الدارِ) بمعنى: ليس رجلٌ في الدار. ومن ذلك قول الشاعر:
تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيًا ... ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ واقِيَا [1]
فأعمل (لا) عمل (ليس) ، فـ (شيءٌ) و (وَزَرٌ) : اسماهما مرفوعين، و (باقيًا) و (واقيًا) : خبراهما منصوبين. ومثله قول الآخر:
مَنْ صَدَّ عَنْ نيرانها ... فأَنَا ابن قيس لابراحُ [2]
فأعمل (لا) عمل (ليس) ، و (براحُ) : اسمها والخبر محذوف، أي: لابراحُ لي. والبَراحُ، بفتح الباء: مصدر بَرِحَ الشيءُ بَراحًا، إذا زال من مكانه.
ومن ذلك قوله تعالى: {فلاَ رَفَثَ ولافُسُوقَ ولاجدالَ في الحجِّ} . البقرة 197
قرُئَ: (فلا رَفَثٌ ولافُسُوقٌ ولاجدالٌ في الحج) [3] برفعهن فعلى هذه القراءة تكون (لا) نافية تعمل عمل (ليس) ، واسمها (رَفَثٌ) مرفوع، ومابعده عطفٌ عليه، (في الحج) : متعلقان بمحذوف خبر (لا) ، وقد جزم ابن عطية [4] بهذا الوجه.
أمَّا قراءة: (فلا رَفَثَ) بالفتح على أن (لا) نافية للجنس، و (رفثَ) : اسمها المبني على الفتح، و (في الحج) الخبر.
(1) البيت بلا نسبة في البحر المحيط 2/ 282، والدر المصون 2/ 324، وأوضح المسالك 1/ 204، وشذور الذهب 196، والمغني 1/ 209، وشرح شواهد المغني 612، والجنى الداني 292، وشرح شواهد التصريح 1/ 199.
(2) البيت لسعد بن مالك القيسي في الكتاب 1/ 28 و 354، والمقتضب للمبرد 4/ 360، والحماسة 1/ 226، وكتاب اللامات 107، وشرح القصائد المشهورات 2/ 77، والجمل للزجاجي 242، وشرح الحماسة للمرزوقي 1/ 501، وشرح أبيات الجمل 177، 237، والمثلث لابن السيد 2/ 174، وشرح جمل الزجاجي لابن هشام المصري 316، والصحاح، واللسان، والتاج (برح) .
(3) انظر في قراءاتها: السبعة لمجاهد 180، والشواذ لابن خالويه 12، والحجة لأبي زرعة 128، والكشف لمكي 1/ 285، والبحر المحيط 2/ 281، والدر المصون 2/ 323.
(4) انظر المحرر الوجيز لابن عطيه 1/ 554.