ألا ترى أن الإناء إذا ملأته بشيء لم يمكنك أن تدخل عليه شيء آخر، ووجهك إذا صرفته إلى موضع صرفته عن موضع آخر.
ومتى دام القلب على هذا لم يكن لذكر الموت فيه تأثير، ولا لترداده حلاوة، وكيف يؤثر فيه وهو لا يجد مكانًا ينزل فيه، ولا موضعًا يتعلق به.
قد ملأه حب الشهوات الفانية، واللذات المتصرمة، فهو شبعان ريان حيران سكران، أعمى أصم إن عرض عليه طريق لم يره، أو نودي باجتناب رديء لم يسمع.
فإذا أراد صاحب هذا القلب سماع الحكمة والانتفاع بالموعظة لم يكن له بد من تفريغه مما شغله ليجد التذكر فيه منزلًا، وتلقى الموعظة فيه محلًا قابلًا.
فلا يزال يتعاهده ويتفقده بالأذكار والأفكار والنظر والاعتبار آناء الليل وأطراف النهار لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الطبع والدنس فيعود إلى حالته الأولى من الغين والغيم.
فإن لم يقدر على تفريغه بمرة فرغ منه ما أمكن وجعل مكان ما أزال ضده، فيجعل مكان الغفلة ذكرًا، ومكان الفرح حزنًا ومكان الاغتباط ندمًا، ومكان السهو تيقظًا، ومكان النوم انتباهًا، ومكان الإهمال اجتهادًا واستدراكًا لما فاته.
وهكذا يزيل شيئا ويجعل مكانه ضده ويستعين بالله الحي القيوم ويسأله التوفيق والسداد والتيسير والعون إنه لقادر على ذلك.
ثم اعلم أيها الأخ الحريص على حفظ وقته عن الضياع أنها إن قلت أشغالك وقلت عوائقك ثم قعدت عن الجد والاجتهاد فيما يقربك إلى الله من أنواع الطاعات أن هذا هو الخذلان أعاذنا الله منه.
ففراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة لمن وفقه الله اغتنامها في الباقيات الصالحات والويل لمن كفر هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجر في قياد الشهوات.
قال - صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفيدًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر".