الصفحة 116 من 169

وقال مالك بن دينار رحمه الله رأيت البادية في يوم شديد البرد شابًا عليه ثوبان خلقان وعليه آثار الدعاء وأنوار الإجابة فعرفته وكنت قبل ذلك عهدته بالبصرة ذا ثروة وحسن حال وكان ذا مال وآمال قال فبكيت لما رأيته على تلك الحال.

فلما رآني بكى وبدأني بالسلام وقال لي يا مالك بن دينار ما تقول في عبد أبق من مولاه، فبكيت لقوله بكاء شديدًا، فقلت له وهل يستطيع المسكين ذلك، البلاد بلاده، والعباد عباده، فأين يهرب المسكين.

فقال يا مالك سمعت قارئًا يقرأ: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } فأحسست في الحال بنار وقعت بين ضلوعي فلا تخمد ولا تهدأ من ذلك اليوم، يا مالك أتراني أرحم وتطفأ هذه الجمرة من قلبي.

فقلت له أحسن الظن بمولاك فإنه غفور رحيم ثم قلت له إلى أين قال إلى مكة شرفها الله تعالى لعلي أن أكون ممن إذا التجأ إلى الحرم استحق مراعاة الذمم.

قال مالك ففارقني ومضى فتعجبت من وقوع الموعظة منه موقعها، وما تأجج بين جنبيه من نار التيقظ والإنابة وما حصل عليه من صدق وحسن الاستماع.

وذِيْ بَيَانٍ إذَا مَا قَالَ أوْ خَطَبَا

أَتَى بَسَهْلٍ مِن الأَلْفاظِ مُمْتَنِعٍ

فَلَوْ تمَيَّعَ أضْحَى مَشْرَبًا سَلِسًا

رَمَتْهُ هَذِي المنايَا وهْيَ صَائِبَةٌ

فأخْرَسَتْهُ فام يُبْدِي بِضَاحِكَةٍ

وبَاتَ مُطَّرَحًا في قَعْرِ مُوْحِشَةٍ

أعْطَي يَدَيْهِ لِدُنَياهُ بِمَا طَلَبَتْ ... أتَى بِلَفْظٍ يَزِيْنُ القَوْلَ والخُطَبا

جَزْلٍ يُصِيْب المَعاني آيَةً عَجَبَا

ولو تَجَسَّدَ أضْحَى خالِصًا ذَهَبَا

سَهْمًا فما هُوَ إلا أنْ رَمَتْهُ كبَا

ولا يَرُدُّ جَوَابًا هَانَ أوْ صَعُبَا

غَبْرَاءَ مُصْطَفقَ الأحْشَاءِ مُسْتَلِبَا

إذ أدْرَكَ الدُّوْدُ مِن جَنْبَيْهِ ما طَلَبَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت