ويَكُونَ فيها آمِنًا في سِرْبِهِ ... ودَعِ الشَّاغُلَ بالذي لا ينْفَعُ
لِيَفُوْزَ مِنْهَا بالذي هُوَ يِطْمَعُ
لا يَخْتَشِيْ رَيْبًا ولا يَتَوَقَّعُ
قال بعضهم أيها الناس إن الدنيا ليست بدار قراركم، ولا محل إقامتكم دار كتب الله على أهلها الفناء وأوجب منها على أهلها الرحيل فكم من عامر مؤنق ومحسن عما قليل ستخرب عمارته، وكم من مقيم مغتبط سيرحل إلى المقبرة.
فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة واحملوا خير ما يحضركم للنقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
إن الدنيا كظل قلص فذهب بينما ابن آدم ينافس فيها وعليها يضارب إذ دعاه الله بقدرة ووفاه يوم حتفه فسلبه آثاره ودنياه، وصير لآخرين مصانعه ومغناه، أن الدنيا ما تسر بمقدار ما تضر إنها تسر قليلًا، وتحزن حزنًا طويلًا.
شعرًا:
غَرَّتْ زَمَانًا بِمُلْكٍ لا دَوَامَ لَهُ
وصَبَّحَتْ قَومَ عَادٍ في دِيَارِهُمُ
وتُبَّعًا وَثَمُوْدَ الحِجْرِ غادَرَهُمْ
فَكَيْفَ يَبْقَى على الأحْدَاثِ غَابرُنَا ... جَهْلًا كَمَا غَرَّ نَفْسًا مَنْ يُمَنِّيْهَا
بِمُفْظِعٍ يَوْمَ عَادَتْهُم عَوَادِيْهَا
رَيْبُ المنُونِ رمَيْمًا في مَغَانِيْهَا
كأنَّنَا قَدْ أَظَلَّتْنَا دَوَاهِيْهَا
وخطب بعضهم:
فقال عباد الله اتقوا الله ما استطعتم وكونوا قومًا صيح بهم فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست بدار فاستبدلوا بها وتعوضوا عنها.
أيها الناس استعدوا للموت فقد أظلكم وترحلوا فقد جد بكم وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة وأن غايبًا يحدوه الجديدان لجدير بسرعة الأوبة وإن قادمًا يقدم بالفوز أو بالشقوة لمستحق بأفضل العدة.
اتفى عبد ربه نصح نفسه وغلب شهوته وقد توبته، فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له والشيطان موكل به يمنيه التوبة ليسوفها، ويزين المعصية ليركبها حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها وأنسى ما يكون لها، وأن ما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به.