خطب أحد العلماء خطبة بليغة فقال: اعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت قال الله جل وعلا: { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } .
وتوقفون على أعمالكم وتجزون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها بالبلاء والمصائب محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال.
لا تدوم أحوالها، ولا تسلم من شرها نزالها، بينا أهلها ورخاء وسرور ونعيم وحبور إذا هم منها في بلاءٍ وغرورٍ، العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإنما أهلها فيها أعراض مستهدفة ترميها بسهامها وتقصمهم بحمامها، وكل حتفه فيها مقدور وحظه فيها موفور.
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان قلبكم ممن كان أطول منكم أعمارًا وأشد منكم بطشًا وأعمر ديارًا وأبعد آثارًا فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها وأصبحت أجسادهم بالية وديارهم على عروشها خاية وآثارهم عافية.
واستبدلوا القصور المشيدة، والسرر، والنمارق الممهدة بالتراب والصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل محلة موحشين.
لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تواصل وقد أكلتهم الجنادل والثرى وأصبحوا بعد الحياة أمواتًا وبعد نضارة العيش رفاتًا.
فجع بهم الأحباب وسكنوا تحت التراب ظعنوا فليس لهم إياب فكأن صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة في دار المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع.
فكيف بكم إذا عاينتم الأمور بعثرت القبور وحصل ما في الصدور ووقفتم للتحصيل بيد يدي الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب وهتكت الحجب والأستار وظهرت منكم العيوب والأسرار.