اللهم انظمنا في سلك الفائزين برضوانك، واجعلنا من المتقين الذين أعددت لهم فسيح جناتك، وأدخلنا برحمتك في دار أمانك، وعافنا يا مولانا في الدنيا والآخرة من جميع البلايا، وأجزل لنا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
وقال رحمه الله واعلم رحمنا الله وإياك وجميع المسلمين أن الشيء الممكن وجوده لا يعرف مقداره على الحقيقة إلا إذا عدم فلم يوجد.
فانتبه أيها اللاهي قبل هجوم الموت، المال تقتره والعمر ما يهمك ذهابه سبهللًا ولا نسبة بين المال والعمر ولا تعرف قدر ضياع عمرك إلا بعدما تموت وتطوى صحيفتك فلا يزاد فيها ولا ينتقص وتندم ولات ساعة ندم.
يا أيُّهَا السَّاهُونَ عن أخْراهُمُ
المالُ بالمِيْزَانِ يُصْرَفُ عِنْدَكُمْ ... إنَّ الهِدَاية فِيْكُم لا تُعْرف
والعُمْرُ بَيْنَكُمُ جُزَافًا يُصْرَفُ
آخر:
مَرَّ الشَّبَابُ وَلَمْ أَقْدِرْ أُرَجِّعُهُ
والمرءُ يَجْهلُ قَدْرَ الشَّيءِ يُمْكِنُهُ ... وَلَمْ أُحَيِّيْهِ إلا بَعْدَ مَا انْصَرَفَا
حَتَّى إذَا فَاتَهُ إمْكَانُهُ عَرَفَا
ألا ترى رحمنا الله وإياك وجميع المسلمين أن الصحة لا يعرف قدرها على الحقيقة إلا المرضى، والعافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذالك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى لأنهم قد ظهرت لهم الأمور وتبينت لهم الأشياء وانكشفت لهم الحقائق، وتبدت لهم المنازل وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفق هناك إلا عمل صالح زكي، ولا يرتفع هناك إلا عبد تقي.
وكلما ازداد هنا عملًا صالحًا كان هناك أرفع درجة وأشرف رتبة، وأكثر وجاهة، وكلما ازداد في الدنيا من الأعمال الصالحة فضيلة كان أقرب إلى الله وسيلة.