فلما استبان لهم ذلك وعلموا مقدار ما ضيعوا وقيمة ما فيه فرطوا ندموا وأسفوا وودوا لو أنهم رجعوا وإلى حالتهم الأولى ردوا وكل على حاله.
فالذي عمل صالحًا يود لو رجع إلى الدنيا فازداد من عمله الصالح وأكثر من متجره الرابح، والمقصر يود لو رد فاستدرك ما فات ونظر فيما فرط فيه.
فالمفرط المهمل بالجملة يكون تمنيه الرجوع أكثر وحرصه على الإقالة أشد كل يتكلم عن حاله ويخبر عما هو فيه حتى قال الشهيد الذي قتل في سبيل الله لما قيل له ما تشتهي قال أن أرجع إلى الدنيا فأقاتل فأقتل مرة أخرى وذلك لما يرى من فضل الشهادة.
وقال غيره: { رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } .
وقالوا: { نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"ما من ميت يموت إلا ندم. قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون نزع"أخرجه الترمذي.
ويروى أن رجلًا جاء إلى القبور وصلى ركعتين ثم اضطجع على شقه فنام فرآى صاحب القبر في المنام فقال له يا هذا إنكم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل ولئن تكون كعتاك في صحيفتي أحب إلي من الدنيا وما فيها.
وقال بعض الصالحين مات أخ لي في الله فرأيته في النوم فقلت له يا فلان ما فعل الله بك عشت الحمد لله رب العالمين قال لي لأن أقدر يعني على أن أقول الحمد لله رب العالمين أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال: ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانًا جاء فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها.
ألا ترى رحمك الله إلى ندمهم على تفريطهم وتأسفهم على تضييعهم، ندموا والله حيث لا ينفع الندم وطلبوا ما لا يمكن، وسألوا فيما لا يجوز على حالهم، ولم يسعفوا في سؤآلهم وبقي كل واحد منهم بما هو فيه.
شعرًا مكتوب على قبر:
أَيُّها الماشِي بَيْن القُبور