الصفحة 43 من 169

ولا تغتروا بما أنتم فيه من حسن الحال فإنه إلى زوال، ومقيمه إلى ارتحال، وممتده إلى تقلص واضمحلال، أما تسمعون أيها الناس لما توعظون به، أما تعتبرون بما إليه تنظرون، أما تفكرون فيما عنه تزولون وفيما إليه ترجعون، وعليه تقدمون.

أين من تقدمكم وكان قبلكم ممن أمل أملكم وسعى سعيكم وعمل عملكم، أين الذين بنوا المدائن وملأوا الخزائن واستعدوا لما هو عندهم كائن، أين الذين غرسوا في روشة الملك ونظموا الآمال في سلك، وهتكوا حجبها أيما هتك وكانوا في ظاهر أعمالهم في ريب من الزمان وفي شك.

انظر إليهم كيف نضبت تلك المياه وذبلت منهم تلك الشفاه وتكسرت عند سقوطهم تلك الوجنات وتثلمت تلك الجباه وتغيرت تلك الأحوال وانكمشت الآمال وبقيت شاهدة عليهم تلك الرسوم والأطلال.

رَفَعْتَ عَرْشكَ في الدنيا وتُهْتَ بِهِ

وبِتَّ فِيها على فُرْشٍ مُلَيَّنَةٍ

وَظِلْتَ تَسْعَى لآمالٍ وتَفْرشُهَا

كم كانَ قَبْلَكَ مِن مَأسُوْرِ رَغْبَتِهِ

يمْسِي ويُصْبَحُ في حِلٍ وفي ظَعَنٍ

عَطْشانَ لِلْمَالِ مُحْمَاةٌ جَوَانِحُهُ

حَتَّى إذَا قِيْلَ قَدْ تَمَّتْ مَطَالِبُهُ

مَدَّتْ إليه يَدٌ لِلْمَوْتِ باطِشَةٌ

فَقصَّعَتْهُ وقِدْمًا كان ذا جِيَدٍ

فَبَاتَ مُسْتَلَبًا وباتَ وارثُهُ

أمَا سَمِعْتَ بأمْلاكٍ مَضَوا قِدَمًا

إنْ دُوفِعُوا دَفَعُوا أو زُوحِمُوا زَحَمُوا

جاءَتْهُمُوْا وجُنُودُ اللهِ غالبِةٌ

فَضَعْضَعَتْ جَنَبَاتِ عِزِّهمِ ورَمَتْ

لَطَالَمَا أكلُوا وَطَال ما شَرَبُوْا

مَرُوْا ولا أثر منهم بِدَارِهمُوْا

قد كان لِلْقَوْم آمالٌ مَبَسِّطةٌ ... وما بِهَا لِلَبيْب تُرْفَعُ العُرُشُ

ولَو عَقَلْتَ لَمَا لانَتْ لَكَ الفُرشُ

ولِلْمَوَارِيْثِ مَا تَسْعَى وتَفْتَرِشُ

بالحِرْصِ تُلْدَغُ جَنْبَاهُ وتُنَتَهَشُ

يَضُمُّ هَذَا إلى هَذَا ويَحْتَوِشُ

ألْقَى على صَدْرِهِ لِسَانَهُ العَطَشُ

وطَافَ مِن حَوْلِهِ أهْلُوُه واحْتَوشُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت