واعلم يا أخي أن كل شيء شغلك عن الله فهو عليك مشؤوم واعلم أن أهل القبور إنما يندمون على ما يتركون، ويفرحون بما يقدمون فما عليه أهل القبور يندمون أهل الدنيا عليه يقتتلون، وفيه يتنافسون وعليه يتزاحمون.
وقال آخر ويح ابن آدم إن أمامه ثلاثة أشياء موتٌ كريه المذاق ونارٌ أليمة العذاب وجنةٌ عظيمة الثواب.
وقال علي بن أبي طالب التوءدة خير في كل شيء إلا في أمر الآخرة والتوءدة التثبت والتأني والرفق في الأمور.
وكان الحسن رحمه الله يقول في موعظته المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم الأعمال التي تتقربون بها إلى الله عز وجل رحم الله امرأ نظر لنفسه وبكى على ذنبه ثم قرأ هذه الآية: { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } يعني الأنفاس آخر خروج نفسك وفراق أهلك.
وقال بعضهم اغتنم تنفس الأجل وإمكان العمل واقتطع ذكر المعاذير والعلل فإنك في أجل محدود ونفس معدود وعمر غير ممدود.
وقال آخر اعمل عمل المرتحل فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك فيطرحك في حفرة لا يخافك فيها أحد ولا يرجوك.
وكتب رجل إلى بعض إخواته أما بعد فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة والموت متوسط بينهما ونحن في أضغاث أحلام والسلام.
وكتب محمد بن يوسف إلى أخٍ له سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني محذرك من دار منقلبك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك فتصير في باطن الأرض بعد ظهرها.
فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك فينتهرانك فإن يكن الله معك فلا فاقة ولا حاجة ولا بأس ولا وحشة وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك يا أخي من سوء المصرع وضيق المضجع.
ثم تبلغك صيحة النشور ونفخة الصور وقيام الخلائق لفصل القضاء وامتلأت الأرض بأهلها والسموات بسكانها فباحت الأسرار، وسعرت النار ووضعت الموازين ونشرت الدواوين { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ } .