فتعرض له رجل وقال له لم هذه المسارعة كلها وفيم هذه المبادرة كلها.
فقال له ويحك أما ترى كتاب الملك بما جاءني أما تسمع ما فيه أما تصدقه، أما تؤمن به قال بلى سمعت وآمنت وصدقت، ولكن لم يقل لك فيه أن رسوله يأتيك اليوم ولا غدًا ولا وقتًا معلومًا.
ولكنه سيأتيك وقد جاء كتابه إلى فلان بهذا الذي قد جاءك أنت به، وقد بقى منتظرًا لرسوله أكثر من سبعين سنة، وإلى الآن ما أتاه.
وبعد زمان طويل ما جاءه، وفلان أتاه بعد ثمانين سنة، وفلان أتاه بعد مائة سنة، وأنت واحد من المرسل إليهم، فلم هذه العجلة، وفيم هذا الإسراع.
فقال ويحك أما ترى أنت فلانًا قد جاءه كتاب الملك بهذا الذي جاءني وجاءه الرسول في إثر مجيء الكتاب، وفلان كذالك، وفلان قد جاءه بعد سنة.
فقال بلى ولكن لا تنظر إلى هؤلاء خاصة وانظر إلى الذين قلت لك ممن تأخر عنه المجيء فقال له دعني يا هذا فقد شغلتني والله وإني لأخاف أن يأتيني الرسول وأنا أكلمك.
ثم أقبل على ما أمره به الملك فامتثله، ونظر فيما حد له، واشتغل بما يجب عليه أن يشتغل به، وأخذ الزاد لسفره، وأخذ الأهبة بطريقه وجعل ينتظر الرسول أن يأتيه وأقبل يلتفت يمينًا وشمالًا ينظر من أين يأتيه ومن أين يقبل عليه.
فبينما هو كذلك وإذا برسول الملك قد أتاه فقال أجب الملك قال نعم قال الساعة، قال الساعة، قال وفرغت مما أمرك به، وعملت ما حد لك أن تعمله، قال نعم، قال فانطلق.
قال بسم الله فخلع عليه خلعة الأولياء وكساه كسوة الأصفياء وأعطاه مركوبًا يليق به ويجمل بمثله وانطلق به في حبور وسرور.
فبان لك بهذا المثل وبغيره فضيلة قصر الأمر، وفضيلة المبادرة إلى العمل، والاستعداد للموت قبل نزوله، والانتظار له قبل حلوله.
وقد كثر الحض على هذا وكثرت الأقاويل فيه، ولم يزل المذكرون يذكرون والمنبهون ينبهون لو يجدون سمعًا ووعيًا وقلبًا حافظًا ومحلًا قابلًا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انتهى.