الصفحة 72 من 169

وأما الدنيا فينظر إليها فإن كان ملكًا نظر إلى من تقدمه من الملوك وما فعل الموت بهم كيف فرق جموعهم وشتت شملهم وأقفرت منهم قصورهم وعمرت بهم حفرهم وقبورهم.

وكذلك إن لم يكن ملكًا وكان من أصناف الناس وصفاتهم في تقلب الدنيا بهم معلومة وأنه ليس من إنسان إلا وله نصيب من الكدر والهم يقل عند إنسان ويكثر عند آخر.

فإذا أخذ الإنسان نفسه بهذه الأفكار وعرض عليها هذا الاعتبار أثر عليه هذا وأعرض عن الدنيا ولم يلتفت إليها إلا بمقدار ما يقيته، وتذكر الموت وخاف فجأته ولم يأمن بغتته وهجمته وصدمته وصرعته.

والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بفضله وكرمه لا رب غيره ولا معبود سواه.

وقال رحمه الله: واعلم أن من كان منتظرًا لعقاب أن ينزل به من أمير بلدته فإنه لا يزال متألم القلب مشغول النفس.

فإن من توعد أن يضرب مائة سوط فإنه أشغل قلبًا ممن توعد أن يضرب عشرة أسواط.

ومن توعد أن يقطع منه جارحه وأكثر توجعًا ممن توعد أن يضرب مائة سوط ومن توعد أن يضرب عنقه أشد خوفًا ممن توعد أن يقطع أحد جوارحه يده أو رجله أو نحو ذلك.

وما منا من أحد إلا وقد توعد بالقتل لأن الموت قتل في الباطن كالخنق فقد بان لك أن كل واحد منا ينتظر القتل ينتظر ملك يثب عليه فيقبض روحه.

فلو كشف للناس عن أبصارهم فرأوا الموت حين يهجم عليك وشاهدوه في الباطن حين يأخذ روحك لما كان بينه وبين إنسان يقتلك في الظاهر فرق إلا أن الإنسان يحتاج إلى آلة يقتل بها من سيف أو سكين أو نحوهما وملك الموت لا يحتاج إلى شيء من ذلك.

واعلم أن شدة سكرات الموت لا يعرفها على الحقيقة إلا الله جل وعلا ومن ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس على الآلام التي أدركها وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه، والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت