فألم النزع يهجم على نفس الروح فيستغرق جميع أجزائه، فإن المنزوع والمجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من رأسه إلى قدمه فلا تسأل عن كربه وألمه.
ولا تسأل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقًا واحدًا لكان ألمه عظيمًا فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، وليس هو من عرق واحد، بل من جميع العروق.
ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجيًا فتبرد أولًا قدماه لفراغها من الروح، ثم ساقاه كذلك، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها الحلقوم.
فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب التوبة، وتحيط به الحسرة والندامة والهموم، والغموم، وسائر الأحزان.
نسأل الله العلي العظيم الحي القيوم ذا الجلال والإكرام أن يلطف بنا ويتداركنا بعفوه وغفرانه وجوده وإحسانه.
ويروى أن العبد يقول لملك الموت عند الموت يا ملك الموت أخرني يومًا أستعتب فيه وأتوب إلى ربي وأعمل صالحًا فيقول له فنيت الأيام فلا يوم فيقول أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة.
فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكضمه عند الغرغرة فيغلق باب التوبة دونه، ويحجب عنها وتنقطع الأعمال وتطوى الصحف وتتم الأوقات ويبقى عدد الأنفاس يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء.
وشَيَّعُوْهُ جَمَاعَاتٌ تَطُوْفُ بِهِ
مِنْ بَيْنِ باكٍ يَكُفُّ فَيْضَ دَمْعَتِهِ
حَتَّى أتَوا حُفَرًا إزَاءَ بَلدَتِهِمْ
وما دَرَوْا هَلْ تَلَقتْهُ بِنَفْحَتِهَا
ثُمَّ انْثَنَوْا نَحْوَ أمْوَالَ قَدْ أحْرَزَهَا
وَذَاكُمُ البَائِسُ المَغْرُوْرُ ما دَفَعَتْ
لَكِنْ تَحَمَّلَ منها كُلَّ فَادِحَةٍ
وما بَكَتْهُ السَّما والأرضُ حِيْنَ مَضَى ... تُغْشِى العُيُونَ بِمَرْآهَا وَكَثْرِتِهَا
وبَيْنَ صَارخةٍ تُفْزِعْ بصْرِخَتِهَا
فَغَادَرُوْهُ بِهَا رَهْنًا لِوَحْشَتِهَا
دَارُ المَقَامَةِ أوْ نارٌ بِلَفْحَتِهَا