ومِن العَجَائِبِ أنْ تَراهُ نائِمًا ... قد ضَاقَ عنه مَسْلَكٌ ومَقَامُ
فلهُ عَلَى هَذَا الوَرَى إقْدَامُ
فالسُّهْد حِلٌ والمَنَامُ حَرَامُ
لَوْلا الضَّروُرةُ ما وُجِدْتَ تَنَامُ
مَنْ طَالِبُوهُ سَاهِرُوْنَ يَنَامُ
وقال وآخر: قد مد في عمره وطول في أمله فازداد في كسله ودخل الوهن في عمله.
ورجل آخر قد جعل التقوى بضاعته، والعبادة صناعته، ولم يتجاوز بأمله ساعته بل جعل الموت نصب عينيه ومثالًا قائمًا بين يديه وسيفًا مصلتًا عليه.
فهو مرتقبٌ له مستعدٌ لنزوله لا يشغله عن ارتقابه شاغل، ولا يصرفه عن الاستعداد له صارق قد ملأ قلبه خوفًا ووجلًا وعمره عملًا، وعد يومًا يعيشه بقاء ومهلًا وغنيمة تملأ نفسه سرورًا وفرحًا وجذلًا.
لازدياده فيه من الخير وإدخاره فيه من الأجر واكتسابه عند الله عز وجل من جميل الذكر، ومثل هذا قد وفقه الله، فرفع التوفيق عليه لواءه، وألبسه رداءه، وأعطاه جماله.
فانظر رحمك الله أي الرجلين تريد أن تكون وأي العملين تريد أن تعمل، وبأي الرداأين تريد أن تشتمل، وبأيهما تريد أن تتزين وتتجمل.
فلست تلبس هناك إلا ما لبست هنا ولا تحشر هناك إلا فيما كنت فيه هنا إن صلاح فصلاح، وإن فجور ففجور.
ولعل هذا تأويل الخبر المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يبعث الميت في ثيابه التي مات فيها"لأنه قد صح أن الناس يبعثون حفاة عراة غرلًا فتفكر في هذا المشهد العظيم، واليوم العقيم، يوم يجمع فيه كل الخلق، قال الله جل وعلا: { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } ، وقال تبارك وتعالى: { ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ } وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر".