الصفحة 80 من 169

وأنجح الطرق لذلك بإذن الله تعالى أن تتذكر أقرانك في السن الذين قصمهم هادم اللذات ومشتت الشمل ومفرق الجماعات فتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب، وتذكر صورهم ومناصبهم وأحوالهم، وأزواجهم، وأولادهم، ومساكنهم من بعدهم وتفكر وتأمل كيف محا التراب أجسامهم وحسن صورهم وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم التي قاسوا على جمعها الشدائد والمشقات وتنعم بها غيرهم ممن جاءتهم عفوا بلا تعب والحساب والتبعات على المسكين الذي ضيع نفسه وصار كما قال القائل:

وذيْ حِرْصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وَفْرًا

كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وهْو طَاوٍ ... لِوَارِثِهِ ويَدْفَعُ عن حِمَاهُ

فَرِيْسَتَهُ لِيأْكُلَهَا سِوَاهُ

وتفكر كيف خلت منهم المساجد والمجالس وانقطعت آثارهم فمهما تذكرت أولئك الزملاء والأساتذة والمشايخ والأقارب والجيران وتصورت حاله وموته وتفرقهم وتذكرت نشاطهم، وترددهم، وأملهم في البقا للعيش ونسيانهم للموت وانخداعهم للنفس وإبليس والهوى والدنيا وركونهم إلى القوة والشباب ونسيانهم للموت وانخداعهم بمواتات الأسباب، وميلهم إلى الضحك واللهو، وغفلتهم عما بين أيديهم من الموت العظيم والهلاك السريع.

ويتفكر كيف أنهم كانوا يترددون، والآن قد تهدمت أجسادهم وتفرقت أوصالهم، وأنهم كانوا يتكلمون ويمرحون، والآن أكل الدود اللسان وتفرقت في القبر المفاصل والأسنان.

ويتفكر كيف أنهم كانوا يجمعون لأنفسهم ما يكفي لعدة سنين في وقت لم يكن بينهم وبين الموت إلا زمن يسير، وهم في غفلة عما يراد بهم حتى إذا جاءهم الموت في وقت ما أحتسبوا له وانكشف لهم صورة الملك وقرع أسماعهم النداء إما إلى الجنة وإما إلى النار.

فعند ذلك ينظر في نفسه وأنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم قال أبو الدرداء إذا ذكرت الموتى فعد نفسك كأحدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت