الصفحة 81 من 169

قال ابن الجوزي عجبت من عاقلٍ يرى استياء الموت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه خصوصًا إذا علت سنه.

واعجبًا لمن يرى الأفاعي تدب إليه وهو لا ينزعج أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه ثم في كل يوم يزيد الناقص.

ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق الإخوان وإن كان ذلك مزعجًا.

ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران انتهى اهـ.

فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر والمستشفيات والمستوصفات، وعيادة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب حتى يعتاده ويغلب عليه بحيث يصير نصب عينيه فعند ذلك يوشك أن يستعد له ويتجافى عن دار الغرور.

وإلا فالذكر باللسان فقط قليل الفائدة والجدوى في التحذير والتنبيه ومهما طاب قلبك بشيء من الدنيا مال أو ولد أو عمارة أو فلة أو قصر أو بستان.

ينبغي لك أن تتذكر في الحال أنك مفارقه فراق لا يشبهه فراق.

نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى وقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورًا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاءً شديدًا حتى ارتفع صوته.

عاد الحسن البصري عليلا فوافقه في سكرات الموت ورأى تقلبه وشدة ما نزل به فلما رجع إلى داره قدموا له طعامًا فقال عليكم بطعامكم وشرابكم فإني رأيت مصرعًا لابد لي منه ولا أزال أعمل حتى ألقاه.

وكان يقول إياك والاغترار فإنك لم يأتك من الله أمان وإن الهول الأعظم والأمر الأكبر أمامك وإنك لابد أن تتوسد في قبرك ما قدمت إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت