الصفحة 88 من 169

فتفكر يا مسكين في نفسك ما دمت في قيد الحياة وأنت تحكم في مالك ولا لك معارض وتتصرف فيه كيف شئت واجعل يوم تبلى السرائر نصب عينيك بين ما أنت في هذا اليوم العظيم الذي قد امتلئت فيه القلوب من الخوف والقلق والرعب والذعر والانزعاج وقد بلغت القلوب الحناجر. قال تعالى: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ } فبينما الناس في هذه الحال التي حدثت عنها إذ جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تكون بمرأى من الخلق ومسمع يرون لهيبها ويسمعون زفيرها فبينما أنت في تلك الحال إذا أخذ بضبعك وقبض على عضديك وجيء بك تتخطى الرقاب وتخترق الصفوف والخلائق ينظرون إليك حتى إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسئلت عن القليل والكثير والدقيق والجليل والطمير والنقير ولا تجد أحدًا يجاوب عنك بلفظة ولا يعينك بكلمة ولا يرد عنك جوابًا في مسألة.

وأنت شاهدت من عظم الأمر وجلالة القدر وهيبة الحظرة ما أذهب بيانك وأخرس لسانك وأذهل جنانك.

ونظرت يمينًا وشمالًا وبين يديك فلم تر إلا النار وعملك الذي كنت تعمل وكلمك رب العزة جل جلاله بغير حجاب يحجبك ولا ترجمان يترجم لك.

وكيف تكون حيرتك ودهشتك إذا قيل عاملت فلانًا يوم كذا وكذا في كذا وكذا وغبنته في كذا وكذا وغششته في السلعة الفلانية.

وتركت نصيحته في كذا وكذا وبعته السلعة المعيوبة ولم تبين له العيب أو غصبت فلانًا أو ظلمت فلانًا أو قتلت فلانًا أو أعنت على قتله أو نحو ذلك.

وقيل ما حجتك أقم بينه ائت ببرهان فأردت الكلام فلم تبين وجئت بعذر فلم يستبن هيهات أنى لك الكلام ولم تنقحه وأنى لك بالعذر وأنت في الدنيا لم تصححه قال الله جل وعلا: { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت