كل نفس قد أفردت لشأنها وتركت لما بها قال الله جل وعلا وتقدس: { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا } وقال تبارك وتعالى: { يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وظن كل إنسان أنه هو المأخوذ، وأنه هو المقصود، والمطلوب، وذهلت العقول، وطاشت الألباب، وتحيرت الأذهان، وفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
واشتغل بشأنه الذي يهمه ويعنيه، وسئل عن جميع أمره سره وجهره دقيقه وجليله كثيره وقليله، وسئل عن أعضائه عضوًا عضوًا وجارحة، وعن شكره عليها، وعن أداء حق الله فيها.
وظهرت القبائح وكثرت الفضائح، وبدت المخازي واشتهرت المساوي، وتركك الأهل والأقربون، ولم ينفعك مال ولا بنون، وأقبلت تجادل عن نفسك وتخاصم عنها وتطلب المعاذير لها قال الله جل وعلا: { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا } .
وقد أسلمت وأفردت واشتغل كل إنسان عنك بنفسه قال الله جل وعلا: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } وقال عز من قائل: { وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } الآية.
وأنشدوا:
خَلِيْلَيَّ ما أقْضِى ومَا أنا قَائِلٌ
وقَدْ وضَعَ الرحْمنُ في الخَلْقِ عَدْلهُ
وجِيْءَ بِجُرْم النار خَاضِعَةً لَهُ
فيا لَيْتَ شِعْرِي ذَلِكَ اليوم هَلْ أنَا
فإنْ أَكُ مَجْزِيًا فَعَدْلٌ وحُجَّةٌ ... إذَا جِئْتُ عن نَفْسِي بِنَفْسِي أُجَادِلُ
وسيْقَ جَمِيْعُ النَّاسِ واليَوْمُ بَاسِلُ
وثُلَّتْ عُرُوْشٌ عندها وَمَجَادِلُ
أَاُغْفَر أمْ أُجْزَى بِمَا أنَا فَاعِلُ
وإْن يَكُ غُفْرانٌ فَفَضْلَ وَنَائِلُ