فهرس الكتاب
وكما أن من مقاصد العلوم الشرعية إقامةَ الحجة على الخلق ، فكذلك من مقاصدها بل من أعظمها إقامة العبودية للخالق ، فإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل أن يغفل السلف الصالح الاشتغال بما يعين على تحقيق تلك العبودية ، ويساعد على قيام الحجة على الخلق ، قال الشاطبي رحمه الله: «كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى ، لا من جهة أخرى ، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني ، لا بالقصد الأول ، والدليل على ذلك أمور:
أحدها: ما تقدم في المسألة قبل أن كل علم لا يفيد عملا ، فليس في الشرع ما يدل على استحسانه ، ولو كان له غاية أخرى شرعية ، لكان مستحسنًا شرعا ، ولو كان مستحسنا شرعا ، لبحث عنه الأولون من الصحابة والتابعين ، وذلك غير موجود ، فما يلزم عنه كذلك..» [1]
ولاشك أن مدارك الأحكام ، وقواعد الأدلة ، قد دل الشرع على استحسانها وطلبها حتى جعلها أهل العلم من أهم فروض الكفايات ، وما كان مستحسنا شرعا فإن الهمم تتوافر على إشباعه بحثًا ، وقتله دراسة .
وإلا فقولوا بربكم كيف يتصور أن تكون هممُ السلف أسفلَ الهمم حتى يُعْتقد أنهم أغفلوا مناهج استنباط الأحكام ، وتقرير القواعد المعينة على تنزيل الأحكام على الوقائع ؟.
ولقد استشكل الشيخ عبد الله دراز قول الشاطبي: « ولو كان مستحسنا شرعا ، لبحث عنه الأولون من الصحابة والتابعين..» ، فقال: « ممنوع ، فكم من علم شرعي لم يبحث عنه الأولون لعدم الحاجة إليه عندهم ؟ وأقربها إلينا علم الأصول ، ولم يبدأ البحث في تأصيل مسائله في عهد الصحابة والتابعين » [2] ؛ إن هذا الاعتراض مبني على عدم إعطاء المسألة حقها من النظر ، وإلا فإن الصحابة اشتغلوا بأصول الفقه اعتمادًا عليه عند الاستنباط سليقة كما قال صاحب المراقي:
« أول من ألفه في الكتبِ
محمد بن شافع المطلبِ
(1) - الموافقات 1/73-74.
(2) - الموافقات 1/73، الهامش رقم: 3.