فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 63

إن نشوء الاصطلاح بعد الأولين لا يلزم منه حدوث العلم بعدهم ، لأن الاصطلاح ليس إلا تعبيرًا عن نفس واقع ذلك العلم من أدلة ، وكيفية استعمالها ، والاصطلاح إنما تدعو الضرورة إليه وتشتد بسبب الحاجة إلى نقل ذلك العلم ، وإلا لَعَسُر نقل مناهج الاستنباط إلى من بعدهم ، ولنتصور نقلا لمناهج الاستنباط قائمًا على قولنا مثلا: « تلك الآية يستعمل فيها مسلك عمر الفلاني في الآية كذا ، أو مسلك علي العلاني في الاستنباط في تلك القضية المعينة » !!؟

نعم توسع الاصطلاح توسعا كبيرًا لا يخلو أحيانًا من غلو ، أو من تأثر بطرائق علمي المنطق والكلام ، ولكن ليس البحث الآن عما شاب هذا العلم ، وإنما الحديث عن التأصيل الذي تشهد لصحته الأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة ، واستقراء طرائق الصحابة والتابعين .

وممن استشكل كلامَ العلامةِ الشاطبي أيضًا الشيخُ محمد الخضر حسين قال رحمه الله: « من العلوم ما تقتضيه حال العصر، كعلم الكيمياء والهندسة ، ومباحث الحرارة والكهرباء ، وقاعدة وزن الثقل ، وما يشاكلها من العلوم التي لا يمكن الخلاص من الأعداء إلا بالقيام عليها ، ولم يبحث عنها الأولون من الصحابة والتابعين ، لأن الحاجة الداعية إلى تعلمها لم تظهر في ذلك العهد بمثل الوجه الذي ظهرت به اليوم » [1] .

إن هذا الاعتراض بكون هذه العلوم نافعة نشأ أيضا عن عدم إعطاء المسألة ما تستحقه من التأمل ، وإلا فإن البحث ليس في كون العلوم نافعة ، وإنما في كونها شرعية ، وهل يُنَزِّل العلامة محمد الخضر حسين هذه العلوم التي وصفها بقوله: « لأن الحاجة الداعية إلى تعلمها لم تظهر في ذلك العهد بمثل الوجه الذي ظهرت به اليوم » منزلة العلوم الشرعية التي اشتدت الحاجة إليها ، ووجد المقتضي لها في عصر الصحابة فضلا عن عصر التابعين .

(1) - الموافقات 1/73-74، الهامش رقم: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت