فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 63

إن هذا الملحظ هو الذي جعل أهل العلم يقررون أن مرتبة المجتهد المستقل فقدت ، وأنه لا سبيل إلى إحيائها ، لأنها قائمة على الاستقلال بأصول ، بخلاف درجة المجتهد المطلق ، وفي ذلك يقول العلامة السيوطي: « لهج كثير من الناس اليوم بأن المجتهد المطلق فقد من قديم ، وأنه لم يوجد من دهر إلا المجتهد المقيد ، وهذا غلط منهم ما وقفوا على كلام العلماء ، ولا عرفوا الفرق بين المجتهد المطلق والمجتهد المستقل ، والمجتهد المنتسب ، وبين كل ما ذكر فرق ، ولهذا ترى أن من وقع في عبارته أن المجتهد المستقل مفقود من دهر ، ينص في موضع آخر على وجود المجتهد المطلق .

والتحقيق في ذلك أن المجتهد المطلق أعم من المجتهد المستقل ، وغير المجتهد المقيد ، فإن المستقل هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذاهب المقررة ، وهذا شيء فُقِد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه ، ولم يجز له ، نص عليه غير واحد ؛ قال ابن برهان في كتابه في الأصول:"أصول المذاهب ، وقواعد الأدلة منقولة عن السلف" [1] ، فلا يجوز أن يحدث في الأعصار خلافها .

وقال ابن المنير:"أَتْباع الأئمة الآن الذين حازوا شروط الاجتهاد مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهبا ؛ أما كونهم مجتهدين فلأن الأوصاف قائمة بهم ، وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبا ، فلأن إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود ، لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب"هذا كلام ابن المنير وهو من أئمة المالكية ، وذكر نحوه ابن الحاج في المدخل [2] وهو مالكي أيضا ، وأما ابن برهان المنقول عنه أولا فمن أصحابنا .

(1) - الوصول إلى الأصول لابن برهان 2/352.

(2) - انظر المدخل 1/75-76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت