فهرس الكتاب
وأما المجتهد المطلق غير المستقل فهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل ، ثم لم يبتكر لنفسه قواعد ، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد ، فهذا مطلق منتسب لا مستقل ولا مقيد..» [1] .
انظر إلى قول السيوطي: « المستقل هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذاهب المقررة ، وهذا شيء فقد من دهر، بل لو أراده الإنسان لامتنع عليه ، ولم يجز له ، نص عليه غير واحد » ، وإلى قول ابن برهان: « أصول المذاهب ، وقواعد الأدلة منقولة عن السلف » وما علق عليه به السيوطي حيث قال: « فلا يجوز أن يحدث في الأعصار خلافها » وانظر أيضا إلى قول ابن المنير: «.. إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود ، لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب » .
إن السلف قد فرغوا من أمر القواعد والأصول ، وما ذلك إلا لأن الشارع أناط بناء الأحكام بها ، فصارت هذه القواعد مِلِّية ، لابد لها من دليل شرعي يدل عليها ، ويحتج به لها ، فهي ليست بمحض الرأي ، أو خالص العقل.
علاقة شمول الفتيا للأصول بانحصار الأدلة
إن القواعد والأصول من مشمولات الفتيا ، وليست من مشمولات الحكم ، ومعنى ذلك أنها جزء من الشريعة ، فليس للعالم إلا مجرد الإخبار فيها عن الشارع ، وليس له أن ينشئ منها ما يشاء ، ولا تخرج المدارك بالاتفاق أو بالاختلاف فيها عن الشريعة ، وذلك لأنها من الأمور المشتركة التي تدخل في الشرع العام ، والذي لا يجوز لحاكم أن يحكم فيه ، لأن الحكم فيه من اختصاص الله جل وعلا ، وإنما أبيح للناس الفتيا فيه إذا كانوا من أهل العلم ، قال العلامة القرافي رحمه الله في"تمييز الفتاوى عن الأحكام": « السؤال السابع عشر.
(1) - الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي ص: 38-39.