فهرس الكتاب
وأما الإفتاء فهو إخبارٌ لا إنشاء ، » إخبارُ من عُرِفت أهليتُه بحكمٍ شرعي « [1] ، ولهذا كان أهونَ من حُكْمِ القضاء ، قال ابن القيم نقلا عن بعض أهل العلم: « المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي ، لأنه لا يُلزِم بفتواه ، وإنما يُخبر بها من استفتاه ، فإن شاء قَبِل قوله ، وإن شاء تركه . وأما القاضي فإنه يُلزِم بقوله ، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم ، ويتميز القاضي بالإلزام..» [2] . إن العلامة ابن القيم لما نظر إلى المقصود بإنشاء الحكم والمتمثل في الإخبار به - جعل الحكم إخبارًا ، لكنه فرق بينه وبين الفتيا بوجود الإلزام وعدمه . وهو - رحمه الله - لا يقصد نفي ما في الحكم من الإنشاء الذي يفارق به الفتيا ، غاية ما في الأمر أنه نظر إلى مرتبة أخرى من مراتب الحكم ألا وهي الإخبار به بعد إنشائه ؛ ولهذا ليس بين قوله وقول القرافي اختلاف حقيقي ، وإنما هو خلاف بسبب اختلاف الاعتبار.
غير أن ما ذهب إليه القرافي أوضح في التعريف ، وذلك بسبب أنه نظر إلى أول مراتب الحكم ، ألا وهي إنشاؤه ، ولا ريب أنها تسبق مرتبة الإخبار به ، والقاعدة المقررة أن » الكلام أبدًا في الحقائق إنما يقع فيما هو في المرتبة الأولى لا فيما بعدها « [3] . بل إن الحكم يوجد أحيانا من غير إخبار، فقد يكون الحكم بالفعل دون القول كبيع الحاكم للعبد الذي أعتقه من أحاط الدَّيْن بماله ، فإن نفس ذلك البيع مبطل للعتق من غير احتياج إلى إخبار بلفظ [4] .
(1) - انظر خواتم الذهب على المنهج المنتخب ص:89-90 .
(2) - إعلام الموقعين 1/29 .
(3) - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص: 34 .
(4) - انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص:130-131، وتبصرة الحكام لابن فرحون 1/101، والطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية على مذهب المالكية لمحمد جعيط ص:241.