فهرس الكتاب
إن ذلك الخلاف في تعريف الحكم - إن عُدَّ اختلافًا- لا تأثير له ، بسبب اتفاق الجميع على التفريق بين الفتيا والحكم ، نعم نشأ في هذا العصر من لم يتفطن للفرق بينهما ، فأوقعه ذلك في الخلط بين مشمولات كل منهما حتى جعل ما يختص بالفتيا من مجالات الحكم ومحتوياته ، ورحم الله العلامة محمد النابغة الشنقيطي - الذي عقد في نظمه ما نثره الهلالي في شرحه لمقدمة المختصر الخليلي- إذ يقول:
» وبَعْضُهُمْ مِنْ قِلَّةِ الإِحْكامِ
قَدْ يَحْسِبُ الفَتْوَى مِنَ الأَحْكَامِ
وَالفَرْقُ أَنَّ الْحُكْمَ ذُو إِلْزامِ
وَهي لَمْ تَلْزَمْ بِلاَ التِزَامِ « [1]
وقد مثل الإمام القرافي لمنصبي الحكم والفتيا بمثال يتضح به ذلك الفرق بينهما فقال: « مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى - ولله المثل الأعلى - مثال قاضي القضاة يولي شخصين ، أحدهما نائبه في الحكم ، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجم .
فالترجمان يجب عليه اتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم ، ويُخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص . فهذا هو المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها ، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص..» [2] .
ثم قال: « ونائب الحاكم في الحكم يُنشئ من إلزام الناس ، وإبطال الإلزام عنهم ، ما لم يقرره مستنيبه الذي هو القاضي الأصلي ، بل فوض ذلك لنائبه.. فهذا مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى ، وليس له أن ينشئ حكما بالهوى واتباع الشهوات..» [3] .
قال ميارة في"تكميل المنهج المنتخب":
« إِخْبارٌ الفَتْوى كَمَنْ يُتَرْجِمُ
والحُكْمُ إِنْشاءٌ كنائبٍ اعْلَمُوا » [4]
(1) - بوطليحية ، نظم في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية ، ص: 151.
(2) - الإحكام في تمييز الفتاوى والأحكام ص: 43.
(3) - نفسه ص: 44.
(4) - بستان فكر المهج على تكميل المنهج لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي، ص: 83.