فهرس الكتاب
-وأما الفروق في مجالاتهما ، فالحكم يكون فيما يقع النزاع فيه لأجل مصالح الدنيا ، ولا يكون إلا جزئيا لتعلقه بقضايا الأعيان ، ولهذا لا يدخل الحكمُ العباداتِ وأسبابَها وشروطَها وموانعها ، ومداركَ الأحكام من حِجاج وقواعد شريعة وأصول فقه لأن النزاع فيها وقع لأجل الآخرة ، فتكون من مشمولات الفتيا ، وقد مر معنا في نص القرافي في تعليله عدم شمول الحكم للمدارك قوله: « القضاء في المدارك محال ، لأن النزاع فيها ليس من مصالح الدنيا بل من مصالح الآخرة .
وتقرير قواعد الشريعة وأصول الفقه: كله من هذا الباب ، لم يجعل الله تعالى لأحد أن يحكم بأحد القولين فيه ويعينه بالحكم » [1] .
إن الفتيا شريعة عامة يشمل مجالها جميع المكلفين ، والحكم لا يكون إلا جزئيا خاصا لأن مجاله القضايا المعينة ، يقول العلامة القرافي: »..الفتيا شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة ، والحكم يختص بالوقائع الجزئية الخاصة « [2] ؛ ومن هذه الحيثية تكون الفتيا أخطر من الحكم ، قال العلامة ابن القيم: «.. ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى ، فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره .
وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله ، فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ، ومن قال كذا لزمه كذا ، والقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين ، فقضاؤه خاص مُلزِم ، وفتوى العالم عامة غير مُلزِمة..» [3] .
وقد جمع هذه الفروق صاحب"المنهج المنتخب"فقال:
« وَالحُكْمُ إِنْشَاءُ -كَلامٍ قُرِّراَ
فِي النَّفْسِ - إِلْزَامًا، وَقَدْ تَأَثَّراَ
بِهِ الذِي تَقارَبَتْ مَدارِكُهْ
وبِاجْتِهادٍ تَنْجَلِي مَسالِكُهْ
لِأَجْلِ ما يَصْلُحُ مِن دُنْيا، وَقَدْ
اخْتَصَّ بالفُتْيَا جَمِيعُ ما وَرَدْ
مِنَ العِباداتِ وما قَدْ مَنَعَا
(1) - الإحكام للقرافي ص: 83.
(2) - نفسه ص: 92-93.
(3) - إعلام الموقعين 1/30-31.