فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 63

فيما جعل الله للحاكم أن يحكم فيه ، وما لم يجعل لواحد من المخلوقين الحكم فيه ، بل الحكم فيه على جميع الخلق لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ليس لأحد من الحكام أن يحكم فيه على غيره ، ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامة . وهذا مثل الأمور العامة الكلية التي أمر الله جميع الخلق أن يؤمنوا بها ويعملوا بها ، وقد بينها في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما أجمعت عليه الأمة ، أو تنازعت الأمة فيه..» [1] ، غير أن هذا النزاع لا يضر لأن مداركه متقاربة ، ولأنه لأجل الآخرة كما قرره القرافي رحمه الله [2] . وقد أطال شيخ الإسلام النَّفَس في بيان الفرق بين الشرع العام الذي لا يجوز للحاكم أن يحكم فيه أصلا ، والقضية المعينة التي يشرع للحاكم أن يحكم فيها بما أنزل الله تعالى .

وحيث إن مدارك الأحكام من الشرع العام ، والأمور العامة الكلية ، فإن الحكم فيها من اختصاص الله جل وعلا ، وليس للعالم الحكم فيها ، وإنما له الإفتاء ؛ والإفتاء إنما هو إخبار عن الله ورسوله ؛ فلا يجوز للمفتي أن يزيد على ما دل الدليل على شرعيته من القواعد والأدلة ، ذلك لأن الزائد لأصل لا دليل عليه ، والخارج عما أجمعوا عليه منها ، أو تنازعوا فيها بإحداث قول آخر لم يقولوه ، تارك لشرط الاشتغال بها - إفتاءً أو تصنيفا أو مناظرة - والمتمثل في الإخبار عن حكم الله فيها ؛ ولاشك أن المخل بشرط الاشتغال بها حكم اشتغاله وتأصيله الفساد والبطلان لاختلال شرطه .

(1) - مجموع فتاوى 35/357.

(2) - انظر الإحكام للقرافي ص: 35-36 و ص: 83 و 88-89، والفروق له أيضا 4/51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت