فهرس الكتاب
لقد فات الترابي - بل أنَّى له أن يدرك - أنه لا يجوز لأي سلطة حاكمة أن تلزم الناس بما تختاره من أمر المدارك والأدلة ، فإن مدرك ذلك من دقائق العلم التي لا يضطلع بها إلا من كان ريانًا من علم الشريعة ، بحيث يكون له ذوق فيها ، ولن يحصل ذلك إلا لمن مارس أصولها وقواعدها ، بحيث تصير له ملكة تشتمل عليها نفسه ، قد خالطت لحمه ودمه وعظامه .
إن الإلزام إنما يكون فيما يقع النزاع فيه لأجل الدنيا ، والمداركُ وما ينتج عنها ليست من ذلك الباب ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق"حكم الحاكم"ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه ، بل حكم الحاكم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة، لا يلزم جميع الخلق ، ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله ، بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء ، بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ؛ ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا ، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة » [1] .
(1) - مجموع الفتاوى 35/372-373.