فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 63

ولعل منشأ خطأ الترابي سوء فهمه لما ذكره أهل العلم من أن"حكم الحاكم يرفع الخلاف" [1] ، فظن أن هذه القاعدة عامة عمومًا جاوز مجالها ، فأدخل فيها ما لا يجوز للحاكم أن يحكم فيه ، مع أن الحاكم ليس له الحكم إلا فيما يقع النزاع فيه لأجل مصلحة دنيوية من حقوق أو حدود ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن بين أن ما حاكمه به ابن مخلوف هو من أمر العلم العام: « وقلت ما لابن مخلوف والدخول في هذا ؟ هل ادعى أحد علي دعوى مما يُحكم به ؟ أم هذا الذي تكلمت فيه هو من أمر العلم العام ؟ مثل تفسير القرآن ، ومعاني الأحاديث ، والكلام في الفقه ، وأصول الدين .

وهذه المرجع فيها إلى من كان من أهل العلم بها والتقوى لله فيها ؛ وإن كان السلطان والحاكم من أهل ذلك تكلم فيها من هذه الجهة ، وإذا عزل الحاكم لم ينعزل ما يستحقه من ذلك كالإفتاء ونحوه ، ولم يقيد الكلام في ذلك بالولاية .

وإن كان السلطان والحاكم ليس من أهل العلم بذلك ولا التقوى فيه لم يحل له الكلام فيه ، فضلا عن أن يكون حاكما..

وأيضا فيعلم أن هذا إما أن يتعلق بالحاكم أو لا ، فإن تعلق به لم يكن للخصم المدعى عليه أن يختار حكم حاكم معين ، بل يجب إلى من يحكم بالعلم والعدل ، وإن لم يتعلق بالحاكم فذاك أبعد .

وأيضا فأنا لم يدع على دعوى يختص بها الحاكم من الحدود والحقوق: مثل قتل ، أو قذف أو مال ونحوه، بل في مسائل العلم الكلية: مثل التفسير، والحديث ، والفقه ، وغير ذلك . وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة ، وفيه ما تنازعت فيه .

(1) - انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص: 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت