فهرس الكتاب
والأمة إذا تنازعت - في معنى آية ، أو حديث ، أو حكم خبري ، أو طلبي - لم يكن صحة أحد القولين ، وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم ، فإنه إنما ينفذ حُكمه في الأمور المعينة دون العامة..» [1] ، إذًا فأنت ترى أن حكم الحاكم لا يرفع الخلاف مطلقا ، وإنما يرفعه فيما يختص به ، ويجوز له الحكم فيه ، فكيف يجعل الترابي للسلطان حق ضبط الخلاف بتقليله عن طريق الحسم بعد الشورى في صور، ودونها في صور أخرى كصورة المسألة الفرعية التي ليست ذات خطر؟
إن حكم الحاكم يرفع الخلاف في عين النازلة التي جاز له شرعًا أن يحكم فيها ، لأن حكمه يكون فيها بمثابة النص الخاص ، ومذهب المحكوم عليه بمنزلة النص العام فيقدم الخاص على العام كما هو مقتضى القواعد الشرعية ، قال الإمام القرافي: « إن الله تعالى استناب الحكام في إنشاء الأحكام في خصوصيات الصور في مسائل الخلاف ، فإذا حكم الحاكم بإذن الله تعالى له ، وصح حكمه عن الله تعالى: كان ذلك نصا واردا من الله تعال على لسان نائبه الذي هو نائبه في أرضه ، وخليفة نبيه في خصوص تلك الواقعة ، فوجب حينئذ إخراجها من مذهب المخالف في نوع تلك المسألة .
فإن الدليل الشرعي الذي وجده المخالف في ذلك النوع عام فيه ، وهذا النص خاص ببعض أفراد ذلك النوع ، فيتعارض في هذا الفرد من هذا النوع دليل خاص وهو حكم الحاكم ، ودليل عام وهو ما اعتقده المخالف في جملة النوع ، فيقدم الخاص على العام كما تقرر في أصول الفقه .
وهذا هو السر في أن الحكم لا ينقض ، لا ما يعتقده بعض الفقهاء من أن النقض إنما امتنع لئلا تنتشر الخصومات..» [2] ، وفي ذلك يقول أيضا ميارة في"التكميل":
« وَالحُكْمُ مِنْ قاضٍ كَنَصٍّ قَدْ وَرَدْ
فِي عَيْنِ نازِلَتِهِ فَلْيُعْتَمَدْ
وَقَوْلُهُمْ يَرْفَعُ خُلْفًا قَدْ أَلَمّْ
(1) - مجموع الفتاوى 3/235-238.
(2) - الإحكام ص:29.