فهرس الكتاب
ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ؛ لأنها مطلقات وعمومات ، وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ؛ فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام ، وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون ، وكلُّه اجتهاد « [1] . ولا يلزم من كون الاجتهاد في هذا القسم من باب الإنشاء ، أنه إنشاء بالهوى ، بل هو إنشاء على موازين الشرع ، وتأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: » وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة ، لا يحكمون في الأمور الكلية ، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله ، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه .
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"القضاة ثلاثة: قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ؛ فمن علم الحق وقضى فهو في الجنة ، ومن علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ، ومن قضى للناس على جهل فهو في النار" [2] « [3] .
(1) - الموافقات 5/14-17.
(2) - أخرجه أبو داود 4/5، (كتاب القضاء ، باب في القاضي يخطئ، رقم 3573) . وابن ماجة 4/1، (كتاب الأحكام ، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق رقم 2315) . وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 8/235، وفي صحيح الجامع الصغير 2/818.
(3) - منهاج السنة النبوية 5/132.