فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 63

2-اجتهاد كاشف عن موجود في الواقع ونفس الأمر، ومحله مشمولات الفتيا - بما فيها المدارك والأدلة -، فإنها جُعِلت شريعة عامة تقرر على المكلفين إلى يوم القيامة ، وقد تقدم أن أهل العلم ليس لهم فيها إلا مجرد الإخبار عن الشارع ، وحيث إن الخبر من جنس الوجود وعدمه - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « يرجع جنس الخبر إلى الوجود والعدم « [1] - فإن الاجتهاد في المدارك والأدلة من باب كشف ما له وجود حقيقي ، ولهذا فهو لا يتقادم بمرور الزمان ، مثله في ذلك مثل أي حقيقة موجودة ، فهل يقال مثلًا إن كروية الأرض مسألة قديمة ، وقد تطور الزمان ، فينبغي أن نغيرها ما دمنا قد أدركناها بالاجتهاد ؟

لاشك أن أول من سيعترض بأن هذه حقيقة لا تتغير بمرور الزمان الترابي وأمثاله ، فيقال لهم لقد نقضتم ما بنيتم عليه قولكم بالتجديد ، فإن إدراك تلك الحقيقة حاصل بالاجتهاد ، فما الفارق بين هذا الاجتهاد وذاك ؟ ثم يقال لهم ما ضابط الحقيقة هل هي: ما أدركه الناس بحواسهم و ما كان امتدادًا لها من الوسائل العلمية كالمنظار والمجهر وغيرهما ؟ أو الحقيقة هي الأمر الذي تحقق وجوده في نفس الأمر ، سواء كانت وسيلة إدراكنا لها الحواس أو العقل أو الوحي ؟ وانظر إلى قول العلامة محمد الطاهر بن عاشور (1393هـ) : » فالحقيقة في كلامنا الشيء الذي حق ، أي ثبت وجوده في الخارج ونفس الأمر ، لا يشوبه شيء من الشك أو التوهم ، وذلك أوضح الوجود.. « [2] .

إن أولئك الداعين إلى تجديد الأصول لما رأوا العلماء يقررون القواعد والأدلة بالاجتهاد ، اعتقدوا أنها مما يجوز تغييره ، ولم يتفطنوا إلى نوع ذلك الاجتهاد ، وأنه كاشف عن نفس الأمر الموجود ، وأنه ليس من باب إنشاء مفقود واختراع معدوم ، وإلا لكان قولا في الدين بغير علم .

(1) - درء تعارض العقل والنقل 4/48.

(2) - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص:29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت