فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 63

من كل ما تقدم يتبين أن الاجتهاد في مدارك الأحكام ، ومآخذ المسائل ، ليس اجتهادًا مطلقا ، وإنما هو مقيد بما تقتضيه الأدلة ، وليس للعالم إلا الاستدلال الذي هو طلب الدليل ، أما الدال بمعنى ناصب الدلالة كلية كانت أو جزئية ، أصلية أو فرعية فليس إلا الشارع ، وقد جعل الإمام أحمد اختصاص الله بنصب الدلالة ، والعلماء بطلب الدليل من قواعد الإسلام ، وأصول الإيمان ، قال رحمه الله: « قواعد الإسلام أربع: دال ، ودليل ، ومُبَيِّن ، ومستدل ؛ فالدال: الله تعالى ، والدليل: القرآن ، والمبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - . قال تعالى: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [1] ، والمستدل: أولو الألباب وأولو العلم الذين يجمع المسلمون على هدايتهم ، ولا يقبل الاستدلال إلا ممن كانت هذه صفته » [2] .

إن مبنى قيام الدين على هذه القواعد ، ولعل هذا هو السِّر في إدخال أهل العلم مبحث"الحاكم"في كتب أصول الفقه ، حيث يقررون أن"لا حاكم إلا الله"سواء كانت الأحكام فرعية ، أو أصلية: شاملة لأصول الدين أو أصول الفقه ، قال أبو حامد الغزالي في بيان الركن الثاني من أركان الحكم: « الحاكم: وهو المخاطِب ، فإن الحكم خطاب وكلام ، فاعله كل متكلم ، فلا يشترط في وجود صورة الحكم إلا هذا القدر.

أما استحقاق نفوذ الحكم ، فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه ، ولا مالك إلا الخالق ، فلا حكم ولا أمر إلا له .

أما النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والسلطان ، والسيد ، والأب ، والزوج ، فإذا أمروا وأوجبوا ، لم يجب شيء بإيجابهم ، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم .

(1) - النحل: 44.

(2) - العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى 1/135، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2/44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت