-إذًا فلكل عبادة أجر ولكل طاعة ثواب، فالحسنة بعشر أمثالها، حتى سبعمائة ضعف أما الصوم فله أجر لا يعلمه إلا من بيده خزائن السموات والأرض؛ فلا يعد عدًا ولا يوزن وزنا ولا يكال كيلًا ولا يثاب أو يضاعف مضاعفة كبقية العبادات وإنما يحثى حثوًا وينهال فضلًا وكرمًا لا يحصيه إلا هو سبحانه فقوله: \"لي وأنا أجزي به\"تعظيم وتهويل للثواب إذ هو على قدر وعظم من يجزي به، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) مسلم (1151) أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره ..
-والصوم جماع الصبر فهو صبر على الطاعات وصبر عن المحرمات وصبر على المنغصات، والله تعالى يقول: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: 10] .
-وقوله: \"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\"فسرها هو نفسه بقوله في لفظ مسلم: \"إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي\" [متفق عليه واللفظ لمسلم] ؛ فالإخلاص في الصيام أعظم منه في غيره، فمن يعلم تلكم العلة الغائية ومقصود الأجلية إلا الله؛ فالصوم له إذ هو سر بينه وبين عبده لا يطلع على حقيقته إلا هو لا في النية والقصد ـ بمعنى الباعث ـ فحسب؛ وإلا فهذا مشترك بين الصيام وغيره من العبادات التي يتعبد بها الإنسان، وإنما في حقيقة أداء العبادة نفسها فمن صلى بكيفية صحيحة تامة فقد أدى الصلاة ظاهرًا والله أعلم بباطنة وكذلك سائر العبادات إلا الصوم فإن حقيقته الباطنة قريبة من حقيقته الظاهرة وهذه تنحل بالقليل اليسير جدًا مما لا يطلع عليه إلا الله.
-والصوم ترك للطعام والشراب والشهوة فهو تشبه بالملائكة الكرام وارتقاء بالروح النوارنية التي درجة تقربها مما خلقها الله عليه أول مرة وفي ترك ما ذكر تضييق لمجاري الشياطين في الدم فهو مقربة لله وخزي لعدو الله.