وكان الأمير يومئذ غائبًا في مكة يشهد الموسم، يقوم مقامه ابن أخ له، وهذه العادة فاشية في الحجاز، إذا غاب الأمير أناب عنه ولدًا له أو قريبًا له، وكان نائب الأمير في قرية أخرى من القرى الست، فلم نلقه، ولكننا لم نعدم من يستقبلنا ويكرمنا، وغاية الإكرام (كما رأينا) أن ندخل القصر، وتوقد النار في زاوية البيت الذي جلسنا فيه، ويشعل فيها الغضا هذا الذي يضرب بحَرَّه المثل والذي ذكره الشعراء فاكثروا، وكنوا به عن نجد، مهوى الأفئدة منهم، وقد رأيته مرارًا فوجدته كثيرًا في البادية وهو كالشمس غير أنه أجمل شكلًا وأدق ورقًا، وهو أشد شجر رأيناه في البادية اخضرارًا، أما جمره فكالفحم الحجري ولا مبالغة، وقد عرفه الشاعر حين زعم أنهم (شبوه بين جوانحه وضلوعه) , أما نحن فعرفناه في هذا البيت حين أشعلوه وزادوا في إضرامه حتى بلغ لهيبه السقف، ثم قربنا منه وأجلسونا إلى جانبيه، فلما (تقهوينا) ونلنا حظنا من الإكرام البالغ، سألونا سيارة تأتي بالأمير، ودعينا إلى دار أخلوها لنا، وكانت دار مفتش الحدود (عبدالرحمن بن زيد) وهي أكبر دار في القريات وأجملها إلا أنها خلية لا شيء فيها، ففرشنا فيها ما كنا نحمل من بسط وفرش وإحرامات ولم أبتئس أنا بخلوها، فقد كان بساطي وإحرامي أحب إلي من كل ما يمكن أن يفرشوه فيها.
ولما أطمأننا على أمتعتنا وعلى مكان مبيتنا خرجنا نجول في القرية، فإذا هي بيوت من الطين قائمة على (شاطئ) الرملة، يحف بها نخل قليل وفيها حقول تزرع فيها بعض الخضر، وتسقى من عين جارية وفيرة تقوم بري قسم كبير من الأراضي، لو كان هناك مال وكان هناك أيد عاملة تسعى في توسيع الأراضي الزراعية وتحسين زراعتها، ويحيط بالبلدة وبساتينها ورملتها صخورًا أهرامية هائلة رهيبة للنظر تمتد من حولها كأنها سور إلهي..
وحياة هذه القرية من الملح الذي يستخرج من السباخ الكثيرة القريبة من البلد، ويصدر إلى حوران وشرقي الأردن.