فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 32

وودعنا القوم الكرام وسرنا نخرق صدر البادية المهولة وأرواحنا معلقة بيد سلامة، وسلامة يشير إلى السائق ويلقي عليه أوامره: يمين. شمال. اصعد التل. تجنب الرملة. والسائق يسمع ويطيع، والسيارة تتغلغل بين هذه التلال، ولبثنا على ذلك إلى العصر، عصر اليوم الثاني من أيام الرحلة، فرأينا رملة بيضاء فسيحة لها منظر البحر في سعته وتموجه واستوائه، تملأ العين جمالًا والقلب من خوف سلوكها فزعًا، يلوح من ورائها سواد قليل كأنه النخيل أو خيال البنيان. فقال سلامة سلمه الله"هذه هي القريات".

ولقد لقينا من هذه الرملة عناء تقل في وصفه مبالغات الشعراء، غرفت فيها السيارات، ولما لها لا نغرق وقد قلت لك إنها رملة كالبحر، أفتمشي سيارة على وجه البحر؟. ولقد لبثنا إلى الليل نزيح الرمل من حول السيارة، ونرفعها رفعًا، ثم ندفعها بعواتقنا دفعًا، ثم نجرها بالجبال، حتى إذا قلنا سارت عادت فغاصت، فلم نقطع الرملة حتى تقطعت أعمارنا، ولم نخرج منها حتى شهدنا أنه لا إله إلا الله.

وقريات الملح قرى ست متقاربة أكبرها قرية (كاف) ، ولكنها لا تحوى على نصف سكان (حلبون) أخس قرى الشام ولا تبلغها كبرًا واتساعًا، وهي في غور من الأرض، وكان أول ما استقبلنا منها الحصن، وهو حصن كبير من الحجر الأبيض المسنون، علمت أن الأمير نواف بن النوري بن الشعلان هو الذي بناه أيام تسلطه على تلك الديار، منذ خمس وعشرين سنة، ولم أجد من أستزيده من خبره..

والقريات اليوم إمارة، وهي مقر الأمير. وما رأينا في الحكومة السعودية أنهم يسمون كل من يلي مدينة -مهما صغرت- أميرًا، ولا فرق في ذيك بين أمير القريات هذه، وبين أمير المدينة المنورة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت