فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 32

يمشون ما يمشون ثم يعودون من حيث جاءوا، وجبال المطلع جبال عظيمة غريبة الشكل، ليست سلاسل، ولكنها آكام عالية، وجبال منفردة، عالية الذرى، محددة القمم، تشبه ذراها رؤوس المآذن وهام البروج، لها منظر جميل فتان، فيه هيبة، وعليه جلال، وهي منثورة نثرًا، تفصل ما بينها مضايق وطرق صخرية ملتوية متشابهة، حار فيها الدليل، وكان معهم دليل حاذق شيطان من شياطين العرب، يقال له محمد الأعرج من مشايخ بن عطية، وهو أعرج طويل له عينا ذئب، حاد الذكاء، ضيق الصدر، مخيف، كانوا يتهيبون سؤاله، فداروا في هذه المسالك حتى نفذ منهم الصبر، وأدركهم اليأس، فصعد الدليل قنة أكمة، فنظر يمينًا ونظر شمالًا ثم صاح: لا إله إلا الله، وتلك عادتهم، إذا أبصروا واديًا، أو رأوا سهلًا، أو طلع عليهم جبل، تشهدوا...

ثم نزل يظلع وقادهم في طريق ملتوية حتى جاوز بهم المطلع، وأشرف بهم على السهل الفسيح، وكان عليهم أن يهبطوا السهل ليخترقوا جبل الأقرع وهو قبالهم، فنظروا فلم يجدوا مهبطًا، وكانوا على رأس جدار قائم من الصخر، ارتفاعه أكثر من أربعين مترًا، والنزول منه خطر محقق، ولكن الرجوع موت أكيد، وإذا هم رجعوا وضلوا أيامًا نفذ فيها ما معهم من ماء، فهلكوا لا محالة عطشا، فاستخاروا الله ونزلوا نزولًا ما نظن سيارة نزلته منذ خلق الله السيارات! تتدحرج من تحتهم الحجارة إلى قرارة المنحدر، فيكون لها قرقعة مخيفة، والسيارة كأنما هي من الإنحدار قائمة على مقدمها، والركاب شاخصة أبصارهم، ينظرون عن أيمانهم وعن شمائلهم، لا يدرون من أين يأتيهم الموت وقد تابوا واستغفروا، واستودعوا الله أولادهم وأموالهم.

ومرت عليهم ربع ساعة أهون منها رباط سنة في جبهة الحرب، ثم وفق الله فبلغوا السهل، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ويهبون كمن صحا من حلم مروع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت